في ظل تهديد مدينة غزة

ماذا يهدف الاحتلال من وراء تدمير (حي الزيتون)؟

غزة - خاص الرسالة نت

منذ أيام، ينفّذ الاحتلال الإسرائيلي عملية عسكرية مركّزة في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، وسط قصف مكثّف يستهدف المنازل بشكل مباشر ويعرّض حياة السكان لخطر بالغ. وتأتي هذه العملية في سياق التصعيد المتواصل ضد المدينة، حيث بدا واضحًا أنها تحمل طابعًا مختلفًا عن التوغلات السابقة.

أفادت مصادر محلية بأن قوات الاحتلال لم تكتف بالقصف المدفعي والجوي، بل واصلت عمليات توغل محدودة داخل الأحياء السكنية، ما أدى إلى تدمير واسع في البنية التحتية، فضلًا عن ترويع العائلات ودفعها إلى النزوح مجددًا. وأكد كثير من الأهالي أن المشهد يبدو محاولة متعمدة لإرغامهم على مغادرة الحي، لتأمين السيطرة العسكرية الإسرائيلية على المناطق الشرقية الجنوبية من غزة.

ويبدو أن ما يجري في الزيتون ليس معزولًا عن الحملة الشاملة التي يشنها الاحتلال ضد مدينة غزة، بل قد يشكّل مقدّمة لمرحلة أشد خطورة، تتمثل في التدرّج نحو تفريغ أحياء المدينة من سكانها، وصولًا إلى سيناريو الإخلاء الشامل. ويرى مراقبون أن هذه التطورات تأتي في إطار الحملة الأوسع التي ينفذها الاحتلال ضد غزة؛ فبعد أن استنزف مناطق الشمال، بدأ بالتوغّل تدريجيًا في الأحياء الشرقية الجنوبية، ما قد يمهّد لتنفيذ تهديداته بإخلاء المدينة بالكامل.

توغّل مختلف

الناطق باسم الدفاع المدني محمود بصل أكد أن الاحتلال ينفّذ منذ أيام عملية عسكرية مركّزة في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، تتخللها غارات مكثفة واستهداف مباشر للمنازل والسكان. وأوضح أن العملية الحالية تختلف عن التوغّل الذي وقع قبل 40 يومًا في أحياء التفاح والزيتون والشجاعية، إذ يركّز الاحتلال الآن على وسط وجنوب حي الزيتون، مع عمليات إخلاء قسري وتهديدات مباشرة للسكان.

وأشار بصل إلى أن الاحتلال استهدف خلال ثلاثة أيام فقط أكثر من 300 منزل، بعضها دون إنذار مسبق، ما أدى إلى وقوع مجازر بحق عائلات بأكملها (مثل عائلات الحصري، دلول، أبو دف). وأضاف أن الاحتلال يستخدم قنابل شديدة الانفجار تدمّر المنازل المستهدفة والمجاورة لها، فيما تمنع قواته دخول طواقم الإنقاذ، ما يجعل الوصول إلى أجزاء واسعة من الحي شبه مستحيل ويُفاقم الوضع الإنساني ويؤخر انتشال الضحايا. وأكد أن المناطق الشرقية والجنوبية من الزيتون محاصرة بالكامل، بينما تتعرض أطراف حي الصبرة لقصف متواصل، معتبرًا أن ما يجري جزء من الحملة الكبيرة ضد مدينة غزة، ومرحلة أولى في عملية التفريغ التدريجي للمناطق الشرقية الجنوبية.

أهداف الاحتلال

من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر أن الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية عملياته البرية في قطاع غزة يسعى إلى تحقيق أهداف بعيدة المدى تتجاوز البعد العسكري المباشر.

وأوضح أبو قمر أن سياسة التدمير الواسع تعكس نوايا متعددة يمكن تلخيصها في أربعة محاور رئيسية:

* تهيئة الأرض ميدانيًا: يسعى الاحتلال عبر التجريف والتدمير إلى إزالة أي عوائق بصرية أو جغرافية أمام تقدمه العسكري، معتقدًا أن تسوية الأرض وتدمير المباني يسهل دخول قواته وتحركها داخل المناطق المستهدفة.

* فرض واقع التهجير: يعمل الاحتلال على إزالة كل مقومات الحياة عبر هدم المنازل وتدمير البنية التحتية، بما يضطر السكان إلى مغادرة أماكنهم.

* إنشاء مناطق عازلة: من خلال تدمير أحياء كاملة وجعلها خالية من السكان على مقربة من نقاط سيطرته، ليتمكن من مراقبة الأرض والتحكم بها، مع إمكانية العودة إليها متى شاء.

* تكريس واقع احتلالي دائم: وهو سيناريو تكرر في شمال قطاع غزة، ورفح، وخان يونس، والمناطق الشرقية، ويتكرر اليوم في مدينة غزة، حيث جرى تدمير أحياء بأكملها مثل الزيتون والشجاعية والتفاح.

ورغم حجم الدمار، يرى أبو قمر أن المقاومة الفلسطينية استطاعت توظيف هذا الواقع لصالحها ميدانيًا، كما حدث في معارك الشجاعية مؤخرًا، حيث باغتت قوات الاحتلال وأجبرتها أحيانًا على الانسحاب من مناطق كانت تتمركز فيها. ويؤكد أن المعركة باتت أقرب إلى صراع تكتيكات ميدانية أكثر من كونها حسمًا عسكريًا كما يتصور الاحتلال.

ويختم أبو قمر بالقول إن أبشع ما في هذه السياسة هو تدمير كل مقومات الحياة المدنية، ما يجعل أي عودة مستقبلية للسكان إلى أحيائهم شبه مستحيلة، خاصة في المناطق الشرقية من غزة.

ومنذ أسبوع تبنّى "الكابنيت" (المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية في الحكومة الإسرائيلية) قرار احتلال قطاع غزة بالكامل، بغض النظر عن الأخطار على المحتجزين أو الجنود أو المفاوضات أو حتى علاقات إسرائيل الدولية. ويعد هذا الخيار من توجهات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المدعوم من اليمين المتطرف، الذي خاض مواجهة مفتوحة مع القيادة العسكرية، فيما اعتبره مراقبون هروبًا من أزمة داخلية تهدد بقاء حكومته.

وبينما يتواصل القصف والتدمير، يبقى سكان غزة عالقين في دائرة نزيف إنساني متصاعدة، في ظل استمرار الاحتلال في فرض سياساته العسكرية دون أي رادع دولي حقيقي

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير