تشهد أسواق قطاع غزة تحولا لافتا في الآونة الأخيرة مع العودة التدريجية لوسائل الدفع الإلكتروني بعد شهور من الاعتماد شبه الكامل على الكاش، إثر الانهيار النقدي الذي أعقب العدوان واستمرار الحصار.
هذا التحول لا يعد مجرد تطور تقني في آليات الدفع، بل يعكس تغيرا عميقا في سلوك المستهلكين والتجار الذين وجدوا أنفسهم مجبرين على التكيف مع بيئة مالية مضطربة وغير مستقرة.
وبلغت الأزمة المالية ذروتها مطلع الشهر الجاري حين وصلت عمولات سحب الأموال من المحافظ الإلكترونية إلى أكثر من 52%، ما جعل الغزي يخسر أكثر من نصف رصيده إذا أراد تحويله إلى نقد.
هذه النسبة الصادمة دفعت الكثيرين إلى البحث عن بدائل أقل كلفة وأكثر مرونة، ومع السماح الجزئي بدخول شاحنات التجار المحمّلة بالبضائع، تراجع الضغط على الكاش قليلا، الأمر الذي ساعد على تعزيز العودة لاستخدام الدفع الإلكتروني كخيار عملي وواقعي.
العودة إلى الدفع الإلكتروني لا تعكس فقط تغييرا في أدوات المعاملات اليومية، بل تشير إلى قدرة الاقتصاد الغزي على التكيف مع ظروف الحرب والحصار.
فقد أدى غياب السيولة النقدية وتلف كميات كبيرة من العملات إلى إجبار الأسواق على قبول الحلول الرقمية رغم تحدياتها، مثل ارتفاع الرسوم وقلة وعي بعض الشرائح بطريقة استخدامها.
ومع ذلك، أثبتت التجربة أنها وسيلة فعالة لتجاوز الانكماش الاقتصادي وتحريك عجلة السوق بشكل نسبي.
ومن منظور اقتصادي أوسع، يمكن النظر إلى الدفع الإلكتروني باعتباره فرصة لبناء بيئة مالية بديلة في غزة، أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأزمات.
فاعتماده بشكل أوسع قد يمهد الطريق أمام إطلاق مشاريع صغيرة ومتوسطة تقوم على التكنولوجيا المالية بالكامل، ما يساهم في تعزيز الاقتصاد المحلي وتقليل الاعتماد على النقد التالف أو الشحيح.
وإذا ما استمر الاتجاه التصاعدي في استخدامه، فقد يتحول الدفع الإلكتروني من حل مؤقت فرضته الأزمة إلى أداة استراتيجية لإعادة تشكيل المشهد الاقتصادي في القطاع.
ورغم هذه التطورات، يبقى غياب التنسيق مع المؤسسات الفلسطينية المختصة، مثل سلطة النقد والغرفة التجارية، مؤشرا سلبيا لا يمكن تجاهله، إذ إن إعلان المنسق الإسرائيلي عودة الدفع الإلكتروني دون تدخل رسمي فلسطيني يعكس واقعا هشا، ويثير أسئلة حول من يملك القرار الحقيقي في إدارة الحياة الاقتصادية داخل غزة، وكيف يمكن ضمان استقلالية واستدامة هذه الحلول بعيدًا عن هيمنة الاحتلال.