في وقت تتواصل فيه الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، طرحت مبادرة "محكمة غزة" غير الحكومية رؤية جذرية لمساءلة الاحتلال الإسرائيلي والضغط من أجل تحرك أممي عاجل يوفر الحماية للمدنيين.
المبادرة، التي انطلقت من العاصمة البريطانية لندن عام 2024، تجمع أكاديميين دوليين وخبراء حقوقيين يقودهم المقرر الأممي السابق ريتشارد فولك، وتستند إلى قناعة بأن الأدوات القانونية التقليدية لم تعد كافية أمام حجم الكارثة الإنسانية الجارية.
خلال مؤتمر صحفي عقدته المبادرة في إسطنبول، شدّد فولك على أن المجتمع الدولي يقف أمام اختبار مصيري، محذراً من أن التأخر في التحرك يعني ترك الفلسطينيين تحت رحمة "إبادة مستمرة منذ 22 شهراً".
ودعا إلى تجاوز القيود التي يفرضها "الفيتو" في مجلس الأمن، والاستفادة من صلاحيات الجمعية العامة للأمم المتحدة وفق مفهوم "الاتحاد من أجل السلام"، الذي جرى تفعيله في أزمات سابقة مثل الحرب الكورية وأزمة السويس.
المبادرة لا تكتفي بالدعوة لإرسال قوة حماية عسكرية، بل تطالب أيضاً بتفعيل إجراءات سياسية وأخلاقية أكثر صرامة، من بينها حظر تصدير السلاح إلى "إسرائيل"، وتوسيع التضامن العالمي مع الشعب الفلسطيني.
وفي هذا السياق، أوضح فولك أن "المشروع الصهيوني يهدف لتقليص وجود الفلسطينيين وإسكات أصواتهم"، مشيراً إلى أن الأولوية اليوم هي "إظهار إسرائيل كدولة منبوذة وخارجة عن القانون".
التقرير الأولي للمبادرة لفت الانتباه كذلك إلى دور الولايات المتحدة في إطالة أمد المأساة. فبينما يواصل البيت الأبيض والكونغرس احتضان رئيس الحكومة الإسرائيلية مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، يرى قطاع متزايد من الرأي العام الأميركي ـ ومن ضمنه أصوات يهودية بارزة ـ أن "إسرائيل" باتت تمثل عبئاً أخلاقياً واستراتيجياً، وأن دعمها غير المشروط يجب أن يتوقف.
ويستند هذا الحراك الحقوقي إلى قراءة واضحة لمسار الأحداث في غزة، حيث تجاوزت حصيلة العدوان الإسرائيلي 218 ألف شهيد وجريح، إضافة إلى أكثر من 11 ألف مفقود ومئات آلاف النازحين، فضلاً عن مجاعة ودمار شامل أزال معظم مدن القطاع من الخارطة.
وهي أرقام تعكس، بحسب المبادرة، الطبيعة "الإبادية" للحرب الإسرائيلية، والتي لم تفلح قرارات محكمة العدل الدولية أو بيانات مجلس الأمن في وقفها.
وتضم هيئة رئاسة "محكمة غزة" شخصيات أممية وأكاديمية بارزة مثل مايكل لينك، هلال الفرح، نورا عريقات، وسوزان أكرم، إضافة إلى خبراء من تركيا وأوروبا وأميركا.
ومن المقرر أن تجتمع الهيئة مجدداً في إسطنبول نهاية تشرين الأول/أكتوبر المقبل لإصدار قرارها النهائي عبر ما أطلقت عليه اسم "محكمة الضمير"، وهو قرار يتوقع أن يكون أكثر وضوحاً وحزماً في توصيف الجرائم الإسرائيلية وسبل مواجهتها.
في ضوء ما سبق، تبدو مبادرة "محكمة غزة" محاولة لإعادة إحياء دور الأمم المتحدة بعيداً عن شلل مجلس الأمن، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
لكن نجاح هذه المبادرة يبقى رهناً بمدى استعداد الحكومات للاستجابة لضغط الرأي العام، وبتحول التضامن العالمي مع الفلسطينيين من مجرد بيانات تنديد إلى خطوات عملية توقف نزيف الدم والدمار في غزة.