يقول الكاتب المصري عمرو بدر إن الشرق الأوسط لم يعد كما كان قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. فالحسابات السياسية والاستراتيجية التقليدية سقطت، والتوازنات التي حكمت المنطقة لعقود لم تعد قائمة.
ويشير إلى أن النظام السوري فقد مكانته، وحزب الله اللبناني تراجع بعد الحرب الأخيرة التي أودت بقائده حسن نصر الله، فيما أُصيبت إيران بجرس إنذار كبير مع استهداف مشروعها النووي بضربات أميركية مؤثرة.
وبرغم صمود المقاومة الفلسطينية الملحمي على مدار عامين من حرب الإبادة، فإن النتائج الكارثية – من آلاف الشهداء والجرحى، إلى تدمير البنية التحتية بشكل شبه كامل – خلقت مشهدًا داخليًا فلسطينيًا جديدًا، وقد أعلنت الأمم المتحدة رسميًا دخول غزة في مرحلة المجاعة، وهو ما يصفه الكاتب بأنه “تهجير قسري يُجهَّز بسلاح التجويع بعد أن بدأ بسلاح الإبادة”.
مصر في قلب المعادلة
ويرى بدر أن "إسرائيل"، التي لطالما اطمأنت للدعم الأميركي المطلق، أصبحت محاصَرة اليوم بانتقادات شعبية عالمية وتراجع في التعاطف الدولي.
في قلب هذه المعادلة تقف مصر، الجار المباشر لغزة وصاحبة الدور التاريخي. ويوضح الكاتب أن القاهرة تواجه ضغوطًا إسرائيلية “محمومة ومجنونة” لإنهاء الحرب عبر تهجير الفلسطينيين إلى سيناء.
وبحسب الكاتب، فإن اللحظة التاريخية فرضت على مصر موقفًا حاسمًا: إذا انحنت أمام مشروع التهجير سقطت معها فكرة فلسطين كلها.
لذلك بدا الموقف المصري أكثر من مجرد رفض رسمي، بل تحوّل إلى عنوان لمعركة إقليمية جديدة تدافع فيها القاهرة ليس عن أمنها القومي فقط، بل عن بقاء القضية الفلسطينية نفسها.
ورقة معاهدة السلام
يشدد بدر على أن مصر تملك أوراقًا ثقيلة لم تُستخدم بعد، أهمها التلويح بتجميد معاهدة السلام مع "إسرائيل". ويذكّر بأن هذه المعاهدة، الممتدة لأكثر من أربعة عقود، لم تكن منحة مجانية بل جاءت بعد أثمان باهظة من الدماء والحروب والمفاوضات.
ويضيف أن القاهرة مطالَبة بإرسال رسالة واضحة للعالم وللاحتلال بأن السلام القائم هو “سلام توازن لا سلام خضوع”، وأن الكلفة السياسية والعسكرية لأي صدام مع مصر قد تكون فوق قدرة الاحتلال على التحمل.
ويرى أن الوقت حان لدبلوماسية “خشنة وحادة” بعد سنوات من اعتماد القاهرة على الدبلوماسية الناعمة في أزماتها مع إسرائيل.
الشعوب ورقة ضاغطة
ويؤكد الكاتب أن إدخال الشعوب إلى قلب المعادلة صار ضرورة استراتيجية قصوى، مشيرًا إلى أن القضية الفلسطينية لطالما كانت قضية وجدان عربي، تتجلى في الشوارع قبل القمم الرسمية. ويعتبر أن المظاهرات والاحتجاجات الشعبية في مصر والعواصم العربية يمكن أن تضاعف الضغط على الاحتلال، وتنقل رسائل قوية بأن مشروع التهجير لن يمر مرور الكرام.
تكامل الموقفين الرسمي والشعبي
ويخلص بدر إلى أن مواجهة مشروع التهجير تحتاج تكاملاً بين الموقف الرسمي والشعبي، بحيث يرسم الموقف الرسمي الخطوط الحمراء، بينما تحصّنه أصوات ملايين الغاضبين الرافضين لحرب الإبادة.
ويرى أن التلويح بتجميد معاهدة السلام قد يكون أحد أقوى أوراق الضغط، لكنه لا يكتمل إلا بضغط شعبي عربي واسع يربك الاحتلال وحلفاءه، ويذكّرهم بأن الاستقرار الإقليمي لن يبقى مضمونًا إذا استمرت "إسرائيل" في تجاوز خطوطها الحمراء.