تتواصل فصول المأساة الإنسانية في قطاع غزة، حيث يروّج جيش الاحتلال الإسرائيلي لرواية ما يُسمّى بـ"المساحات والمناطق الخالية" المخصصة لإيواء النازحين من مدينة غزة والشمال.
غير أن هذه الادعاءات، وفق شهادات حقوقيين وصحفيين ومسؤولين محليين، لا تعدو كونها أداة تضليل لتبرير استمرار القصف والتهجير القسري.
الكاتب د. إياد القرا أكد أن الاحتلال يضلل العالم بخريطة "مناطق فارغة"، مشيراً إلى أن هذه المناطق تعرّضت مراراً للاستهداف وسقط فيها مئات الشهداء، مضيفاً أن "خانيونس ومحيطها ما زالت مناطق حمراء تشهد قصفاً متواصلاً، وكان آخرها استهداف عشرات المواطنين أثناء محاولتهم العودة إلى منازلهم وسط المدينة".
الصحفي أحمد البطة أوضح أن مناطق الإخلاء التي أشار إليها الاحتلال في خانيونس ما زالت مناطق عمليات عسكرية ونقاط تمركز للقوات الإسرائيلية، لافتاً إلى أن "المناطق المحددة بالأزرق (في الخارطة التي نشرها جيش الاحتلال) معدومة المقومات مثل المواصي، حيث يتعرض السكان للاستهداف بشكل متكرر".
من جانبه، شدد سامي أبو سليم على أن الخرائط الإسرائيلية مجرد خداع جديد، قائلاً إن "الاحتلال قتل الصحفي حسن دوحان في خيمته التي وُصفت بالآمنة، كما قصف آلاف العائلات في خيامها". وأضاف أن المناطق المزعومة إما "غابات دمار، أو مكبات قمامة، أو أماكن بلا ماء وصرف صحي، ولا تصلح للحياة الإنسانية".
الصحفي محمد هنية اعتبر أن تهديد الاحتلال بعملية جديدة على مدينة غزة يأتي في وقت يعيش فيه السكان إبادة مستمرة منذ عامين، وقال: "يطالبون مليون إنسان بالتكدّس في بقاع لا تصلح للحيوانات، ثم يتفاخرون بزيادة الطعام والماء. من يرفض هذا العرض يُقتل أو يُسحق منزله فوق رأسه".
أما حسام الكحلوت فأكد أن النزوح أصبح خياراً شبه مستحيل، موضحاً أن آلاف العائلات بحثت في الجنوب والوسطى عن شقة أو أرض لإقامة خيمة دون جدوى، بسبب ارتفاع التكاليف وانعدام الموارد.
وأضاف: "بعد سنتين حرب لم يبقَ مال ولا صحة ولا قدرة لتجربة نزوح جديدة".
وفي السياق ذاته، شدد عبد الكريم الحتة على أن قطاع غزة بأكمله "غير آمن وغير صالح للحياة"، مشيراً إلى أن تكاليف النزوح خيالية ولا يمكن للأهالي تحمّلها.
تحذيرات رسمية
المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أصدر بياناً (رقم 944) أكد فيه أن العجز في الإيواء تجاوز 96%، موضحاً أن جنوب القطاع غير قادر على استيعاب نحو 1.3 مليون مهجّر قسرياً.
وذكر البيان أن الاحتلال لم يسمح إلا بإدخال نحو 10 آلاف خيمة فقط، أي ما يعادل 4% من الاحتياجات الفعلية المقدّرة بـ250 ألف خيمة وكرفان.
وأشار البيان إلى أن الاحتلال يفرض قيوداً مشددة على دخول مستلزمات الإيواء، في وقت يسيطر فيه عسكرياً على 77% من مساحة القطاع، مما يجعل أي نزوح جديد "شبه مستحيل ويهدد حياة المدنيين".
وبينما يواصل الاحتلال الترويج لخرائط "المناطق الخالية"، فإن الحقائق على الأرض تؤكد غياب أي ملاذ للمدنيين، وسط استمرار القصف، وتصاعد أعداد الشهداء، وعجز المجتمع الدولي عن وقف الكارثة الإنسانية المستمرة في قطاع غزة.