من ميناء برشلونة، حيث ترسو السفن تحت شمس المتوسط، إلى شواطئ تونس التي تستعد هي الأخرى لاستقبال متطوعين وناشطين، تتبلور واحدة من أوسع المبادرات البحرية العالمية منذ سنوات. عشرات السفن المحمّلة بالمساعدات الإنسانية، غذاءً ودواءً وإمدادات طبية عاجلة، تستعد للإبحار في 31 أغسطس الجاري، في محاولة جديدة لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على غزة منذ أكثر من 17 عامًا.
الانطلاقة ستكون من برشلونة، حيث ترفع أولى سفن "أسطول الصمود العالمي" أشرعتها، حاملة إلى جانب الإمدادات رسالة تضامن دولية واسعة مع سكان غزة المحاصرين. وفي الرابع من سبتمبر، تلتحق القافلة المغاربية القادمة من تونس، تتبعها قوارب أخرى يجري تجهيزها في بعض الموانئ الليبية والأوروبية، لتلتقي جميعها في المياه الدولية وتتجه نحو شواطئ القطاع.
هذه المبادرة التي وُصفت بأنها الأضخم منذ سنوات، يقودها آلاف المتطوعين والناشطين، ممن شددوا على سلمية التحرك ومدنيته، مؤكدين أنه لا يحمل إلا رسالة حياة بوجه سياسات الموت والتجويع. أكثر من 6 آلاف شخص من 44 دولة سجلوا للمشاركة، بينهم شخصيات سياسية وبرلمانية وحقوقية وأكاديمية، إلى جانب فنانين وإعلاميين. وقد أعلنت ماليزيا وإندونيسيا دعمًا سياسيًا لها، فيما التحقت شخصيات عالمية بارزة بالمبادرة، من بينها الناشطة البيئية السويدية غريتا ثونبرغ، والممثلة الأميركية سوزان ساراندون، اللتان عبّرتا بوضوح عن رفضهما للإبادة الجماعية في غزة.
في تونس، تصاعدت الأجواء الوطنية المساندة، حيث أُطلقت حملة تبرعات ضخمة بمشاركة منظمات المجتمع المدني والنقابات، وعلى رأسها نقابة الصحفيين التونسيين، التي أكدت دعمها الكامل للأسطول. وصرّح يوسف عجيسة، نائب رئيس اللجنة الدولية لكسر الحصار، أن القافلة المغاربية تضم الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، وتشكل "إحدى الركائز الأساسية" للأسطول إلى جانب مبادرات دولية أخرى مثل "صمود نوسانتارا" القادمة من شرق آسيا.
على الصعيد اللوجستي، يعمل المنظمون على شراء سفن صغيرة وإعادة تأهيل قوارب صيد قديمة لتصبح صالحة للإبحار، وتجهيزها بالوقود والأعلام والكوادر البحرية، مع تدريب المشاركين على أساليب المقاومة السلمية تحسبًا لأي مواجهة محتملة مع البحرية الإسرائيلية. فالهدف ليس مجرد الوصول إلى غزة، بل الإصرار على إيصال رسالة واضحة للعالم: "الأسطول ليس رحلة بحرية، بل حركة عالمية من أجل العدالة والحرية والكرامة الإنسانية".
الأنظار اليوم تتجه نحو ميناء برشلونة والعاصمة التونسية، حيث تنبض التحضيرات بالحماسة والترقب، وسط دعم شعبي واسع وإصرار على فتح ممر بحري إنساني يخفف من معاناة مليوني إنسان يواجهون حصارًا خانقًا منذ عام 2007، تفاقم حتى بلغ مستوى المجاعة بعد حرب أكتوبر 2023 التي حصدت أكثر من 61 ألف شهيد و153 ألف جريح، وأدخلت غزة في واحدة من أشد الأزمات الإنسانية في العصر الحديث.
غير أن مشهد البحر لا يخلو من المخاطر. فقد سبق للاحتلال الإسرائيلي أن اعترض سفنًا مشابهة، مثل "مادلين" في يونيو الماضي و"حنظلة" في يوليو، حيث جرى اقتيادهما إلى ميناء أسدود وترحيل ركابهما بعد احتجازهم لفترات قصيرة. مشاهد تعيد إلى الأذهان حادثة "مافي مرمرة" عام 2010، حين قُتل عشرة نشطاء أتراك برصاص الجيش الإسرائيلي. مع ذلك، يسجل التاريخ أن "حنظلة" اقتربت لمسافة 70 ميلاً بحريًا من شواطئ غزة، فيما قطعت "الضمير" رقمًا غير مسبوق وصل إلى 1050 ميلاً قبل أن تعترضها البحرية الإسرائيلية.
اليوم، تعود المبادرة من جديد، أكبر وأوسع وأكثر تنسيقًا، وهي تحمل معها أسئلة معلّقة في الهواء: هل ينجح الأسطول هذه المرة في اختراق الحصار وبلوغ غزة؟ أم أن البحر سيشهد فصولًا أخرى من المواجهة غير المتكافئة؟
بين الموانئ الأوروبية والمغاربية، وبين أمواج المتوسط التي ستجمع السفن في خط واحد نحو غزة، يتشكل مشهد إنساني عالمي، قد يُكتب له أن يفتح ثغرة في جدار الحصار، أو أن يضيف فصلًا آخر إلى سجل المواجهة الطويلة بين إرادة الشعوب وسلطة الاحتلال.