لم يكن المشهد داخل كيان الاحتلال يومًا بهذا القدر من التصدّع كما هو عليه الآن. فالحرب المتواصلة على غزة لم تحقق أهدافها، بل عمّقت أزمات الاحتلال وأظهرت هشاشته البنيوية على المستويين العسكري والسياسي. نحن أمام أزمة وجودية مركبة تتجلى في انقسام القيادات العسكرية، والانهيار النفسي للجنود، إلى جانب الفضائح السياسية التي تهزّ ثقة الجمهور.
يتكشف في أروقة الجيش انقسام حاد بين قياداته. فبعض الجنرالات يدفع باتجاه استمرار الحرب مهما كانت الكلفة، طمعًا في صورة انتصار، فيما يحذر آخرون من أن طول أمد الحرب يستنزف قدرات الجيش ويقوده إلى مأزق بلا أفق. خلاف شديد بين رئيس الوزراء ومجرم الحرب بنيامين نتنياهو وهيئة الأركان، وبرز الجنرال إيّال زامير كقارئ مستقل، إذ حذّر من مخاطر "السيطرة الكاملة على غزة"، محذرًا من استنزاف الجيش وتعقيد مواجهة احتمال تسلّم الرهائن، رغم تنفيذه للأوامر في حال التصعيد.
تصاعد الوضع حين وافق نتنياهو على خطة احتلال محدودة للقطاع، بينما ضجّت أروقة المؤسسة العسكرية، ووُصفت الأزمة بأنها ربما الأخطر منذ عام 1948، مع تهديد 41 ضابطًا منهم بالتجمّع ورفض المشاركة، وتراجع نسبة المتطوعين في صفوف الاحتياط إلى 60% فقط. هذا التباين يعكس، وفق ما يراه الدكتور محمد مصلح، غياب الرؤية الاستراتيجية لدى المؤسسة العسكرية، وفقدان المبادرة لصالح المقاومة التي فرضت معادلاتها على الأرض.
الدكتور مصلح يؤكد للرسالة نت أن أزمة الكيان الداخلية أعمق من الانقسام العسكري وحده. فهو يرى أن هناك انفراداً في العقد الاجتماعي للمركب السكاني الإثني والعرقي داخل الكيان الصهيوني، حيث تتفاعل عوامل التفكك بشكل تراكمي، وقد بلغ هذا الذروة مع عملية 7 أكتوبر. الحكومة الحالية، بأجنداتها غير العقلانية، عمّقت التناقضات الداخلية، وهو ما قد يؤدي إلى حرب أهلية طويلة الأمد، تبدأ بإرهاصات واشتباكات داخلية، نتيجة الفساد داخل الأحزاب وانقلاب بعض الزعماء على نظام الدولة المتوازن بين السلطات الثلاث لصالح السلطة التنفيذية. حتى في حال تشكيل حكومة جديدة علمانية، يرى مصلح أنها لن تتمكن من معالجة أزمة الثقة بين مكونات السكان أو كبح الكراهية العرقية والاثنية المتزايدة.
إلى جانب الانقسام العسكري، تكشف المعطيات عن أزمة نفسية خانقة تضرب الجنود. تقارير إسرائيلية أشارت إلى أن نصفهم أصيب باضطرابات نفسية أو أعراض صدمة ما بعد القتال، وهو رقم يعكس انهيار الروح المعنوية لدى من يُفترض أنهم عماد القوة الميدانية. ارتفاع حالات التسريح الطبي والانتحار بين الجنود يوضح، كما يؤكد الدكتور مصلح، أن الجبهة الداخلية العسكرية آخذة في التآكل وأن الجيش يواجه أزمة صامتة تنخر في جسده من الداخل.
فقد أظهرت دراسات من جامعة تل أبيب ارتفاعًا حادًا في اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD) من 0.5% قبل الخدمة إلى نحو 12% بعد المعارك في غزة، فيما شهد 2024 أعلى معدل انتحار بين الجنود في عقد من الزمان: 21 حالة مؤكدة، نصفها من الاحتياط، و35% من الجنود ممن خضعوا للفحص يعانون اضطرابات نفسية حادة و15% غير قادرين على العودة للقتال.
الدكتور مصلح يوضح أن الجنود يشعرون بعدم أهلية القيادة وغياب الهدف من القتال في غزة، وأن العمليات تخدم أجندات سياسية للحكومة، ما يضعف روحهم المعنوية ويزيد قدرة المقاومة على تحقيق نتائج غير متوقعة.
على الصعيد السياسي، جاءت فضيحة "قطر غيت" لتفجر أزمة جديدة. فشهادة يائير لابيد أمام لجنة التحقيق أعادت فتح ملف التمويلات الخارجية والفساد المستشري داخل الطبقة السياسية، وهو ما وصفه الدكتور مصلح بأنه يعكس تآكل الثقة بالقيادة وانشغال السياسيين بصراعاتهم الداخلية بدل مواجهة التحديات الأمنية والعسكرية. كشفت القناة 12 عن تورط مستشاري نتنياهو، منهم إلي فلدشتاين ويوناتان أوريتش و(إسرائيل) أينهورن، بوظائف لدى دولة قطر لتعزيز صورتها داخل المؤسسات الإسرائيلية، ما أثار غضبًا واسعًا.
يائير لابيد وصف هذه العلاقات بأنها تهديد للأمن القومي، بينما اعتبر النائب يائير جولان ما حدث خيانة تستدعي كشف الحقيقة بالكامل، في حين أمر مكتب المدعي العام بفتح تحقيق رسمي بمشاركة الشاباك وجهاز مكافحة الفساد.
الدكتور مصلح يشدد على أن المقاومة هي العقدة المركزية في مستقبل الصراع، وأن استمرارها وبقاء سلاحها هو الورقة الحاسمة التي تفصل بين الانتصار والهزيمة. ويضيف أن الضغوط الداخلية والخارجية دفعت المقاومة لتقوية موقفها التفاوضي، حيث شددت على مكاسبها بناءً على التطورات العسكرية والخسائر الإسرائيلية، وتصاعد المعارضة الداخلية والمظاهرات المطالبة بصفقة مقابل وقف الحرب. على الصعيد الدولي، فقد الاحتلال شرعية الدفاع عن تهديد وجوده، خاصة مع الاعتراف المتزايد بدولة فلسطين من بعض الدول الأوروبية وتنامي الدعم الشعبي ضد الجرائم والدمار في غزة.
أزمة وجودية شاملة
يجتمع الانقسام العسكري، الانهيار النفسي للجنود، والفضائح السياسية لرسم صورة كيان مأزوم على كل المستويات. الدكتور مصلح يؤكد أن إسرائيل اليوم تواجه حربًا ليست مع غزة وحدها، بل مع أزماتها الداخلية التي تهدد تماسكها واستمراريتها، وهو ما يجعل المستقبل السياسي والعسكري للكيان مرهونًا بإعادة بناء الثقة بين قياداته وجيشه وجمهوره، في ظل حكومة عاجزة عن معالجة أزمات الثقة والكراهية الداخلية.