العربات المفخخة: من تكتيك داعش إلى أداة إبادة إسرائيلية في غزة

متابعة_ الرسالة نت

منذ أن برز تنظيم "داعش" في المشهد الإقليمي، ارتبط اسمه بالعربات المفخخة التي حوّلها إلى سلاح مرعب في العراق وسوريا، حيث استُخدمت لنسف الأحياء والأسواق والجنود على الحواجز. اليوم، يتكرّر المشهد في قطاع غزة، لكن على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي يوظّف العربات المفخخة المدرّعة لتحقيق غايات عسكرية وسياسية، في مشهد يكشف تقاربًا مرعبًا في الوسائل وإن اختلفت الأهداف المعلنة.

اعتمد تنظيم داعش في أوج توسعه بين عامي 2014 و2017 على "العربة المفخخة" بوصفها وسيلة أساسية لتوسيع رقعة السيطرة. 

كانت تُحمّل بأطنان المتفجرات وتُقاد غالبًا بواسطة انتحاريين نحو أهداف مدنية أو عسكرية، والهدف كان مزدوجًا: إيقاع أكبر قدر من الخسائر البشرية وبث الرعب في نفوس السكان، بما يضمن انهيار المجتمعات المحلية أمام آلة الفوضى.

وقد سجّلت مئات العمليات في الموصل والرقة وغيرها، حيث تحوّلت الشوارع إلى أنقاض نتيجة هذه التفجيرات، وأُجبر مئات الآلاف على النزوح في ظروف إنسانية كارثية.

في المقابل، يكشف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يستخدم يوميًا ما بين 7 إلى 15 عربة مفخخة في غزة، مُحمّلة بما يقارب 100 طن من المتفجرات، لتدمير الأحياء السكنية بشكل ممنهج.

هذه العربات، وهي غالبًا ناقلات جند مدرعة قديمة أو آليات عسكرية معدّلة، تُسيَّر عن بُعد وسط الأحياء المكتظة ثم تُفجَّر لإحداث أقصى قدر ممكن من الدمار، وقد تم تدمير نحو 300 وحدة سكنية يوميًا في غزة وجباليا، وتشريد مئات الآلاف. 

هذه الأرقام تفوق في ضخامتها حتى أشرس موجات التفجير التي اعتمدتها داعش، ورغم اختلاف الجهة المنفذة، إلا أن المشترك الأساسي بين داعش وجيش الاحتلال يتمثل في استخدام التفجير كسلاح نفسي:

داعش كان يزرع الفزع عبر سيارات مفخخة تنفجر في الأسواق والمساجد.

بينما "إسرائيل" تفجّر عرباتها المفخخة في ساعات الليل والفجر، لتبث الرعب بين المدنيين وتجبرهم على النزوح.

في الحالتين، يتحوّل الانفجار إلى وسيلة لاقتلاع السكان من بيئاتهم الطبيعية، وفرض معادلة جديدة بالقوة.

داعش استخدم المفخخات في إطار حرب عصابات غير نظامية، خارج القانون الدولي، واعتُبرت عملياته جرائم إرهاب.

بينما جيش الاحتلال يوظّف المفخخات في إطار آلة عسكرية نظامية، ويبرّرها بذرائع "الحرب على الإرهاب"، رغم أنها تتعارض بشكل صارخ مع القانون الدولي الإنساني الذي يحظر هذه الوسائل العشوائية.

وهذا الفارق يكشف مفارقة مأساوية: ما اعتبره العالم "إرهابًا" حين مارسته جماعة مسلحة، يُترك بلا مساءلة حين يمارسه جيش نظامي.

 

النتائج الإنسانية الكارثية

بحسب المرصد الأورومتوسطي، كل عربة مفخخة تُدمّر في المتوسط 20 وحدة سكنية، ما يعني أن استمرار الوتيرة الحالية لشهرين فقط قد يؤدي إلى محو مدينة غزة عن الخريطة.

هذا لا يقتصر على تدمير المنازل، بل يقوّض أي إمكانية لإعادة الحياة مستقبلاً، ويهدف عمليًا إلى اقتلاع سكان غزة من أرضهم.

العربات المفخخة، سواء كانت بأيدي "داعش" أو بترسانة جيش الاحتلال، تجسّد الوجه الأكثر تدميرًا للحرب الحديثة: السلاح الذي لا يفرّق بين مقاتل ومدني، والذي يحوّل المدن إلى ساحات أنقاض والإنسان إلى هدف مباشر للرعب.

لكن الفارق الجوهري أن داعش واجه إدانة عالمية وحربًا شرسة أسقطت دولته، بينما يمارس جيش الاحتلال في غزة الأسلوب ذاته تحت غطاء "شرعية دولية" صامتة أو متواطئة، ليبقى الفلسطينيون ضحية الإرهاب الإسرائيلي المنظم.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير