السلطة على حافة الانهيار… قرار التأشيرات الأميركي يكشف المخطط الإسرائيلي الأوسع

متابعة_ الرسالة نت

جاء قرار الإدارة الأميركية برفض منح تأشيرات دخول للرئيس محمود عبّاس والوفد المرافق له إلى نيويورك، للمشاركة في الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة، ليشكل تطورًا سياسيًا لافتًا، يحمل في طياته دلالات أبعد من مجرد إجراء بروتوكولي. 

الكاتب هاني المصري يرى في مقال له أنّ هذه الخطوة ليست سوى عقوبة على المسار الذي اتخذته القيادة الفلسطينية في الأسابيع الأخيرة، خصوصًا محاولاتها الدفع باتجاه اعتراف دولي واسع بالدولة الفلسطينية.

وبينما يعيد هذا المشهد إلى الأذهان سابقة عام 1988، عندما رفضت واشنطن منح تأشيرات للرئيس الراحل ياسر عرفات بعد إعلان قيام دولة فلسطين، إلا أنّ المصري يؤكد أنّ الفارق كبير: آنذاك لم يكن هناك اتفاق أوسلو ولا سلطة فلسطينية مرتبطة بشبكة التزامات، في حين أن "إسرائيل" دفنت التزاماتها منذ زمن بعيد تحت ركام الاستيطان.

 

ما بعد الشجب والانتقاد

لا يكتفي المصري بالتوصيف، بل يطرح سؤالاً حول كيفية الرد الفلسطيني، فهو يرى أن الاكتفاء بالانتقاد والمطالبة بالتراجع عن القرار لن يجدي، بل المطلوب مسار سياسي بديل، أساسه الرهان على الشعب الفلسطيني وحلفائه في العالم. 

ويدعو إلى تحويل خطاب رئيس السلطة محمود عبّاس من نيويورك إلى جنيف، كما فعل عرفات سابقًا، باعتبار أنّ الساحة الأممية لم تعد متاحة بالقدر الكافي أمام الفلسطينيين، فيما تتسارع على الأرض خطط إسرائيلية لإعادة الاستيطان في غزة، ومنع السلطة من العودة إليها، ومواصلة سياسات الضم والإبادة والتهجير.

 

استهداف الوجود الفلسطيني 

ويشير المصري إلى أن التطورات لا تنفصل عن خطاب وزير الجيش الإسرائيلي السابق آفي ديختر، الذي دعا علنًا إلى تهجير نحو 1.7 مليون فلسطيني من غزة. هذا الخطاب، كما يوضح، يعكس جوهر السياسة الإسرائيلية: استهداف الشعب الفلسطيني برمّته، لا فقط القوى المقاومة.

ويضع الكاتب هذه التصريحات في سياق لقاءات أميركية–إسرائيلية في البيت الأبيض، شارك فيها جاريد كوشنر وتوني بلير، تزامنت مع طرح مشاريع مثل "الريفييرا في غزة". 

بالنسبة له، هذه مؤشرات على أنّ الخطة الشاملة تقوم على تفكيك الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية، بما في ذلك الضفة الغربية التي يُعاد تفتيتها إلى "إمارات سكانية" معزولة.

 

سلطة على حافة الانهيار

يذهب المصري أبعد في تحليله، ليعتبر أن السلطة الفلسطينية نفسها لم تعد تملك مقومات البقاء. فالمشهد في الضفة الغربية، من تدمير مخيمات الشمال إلى إقامة مواقع عسكرية إسرائيلية ثابتة، مرورًا بتقليص صلاحيات مؤسسات السلطة لصالح "الإدارة المدنية"، يكشف عن مشروع منظم لدفعها نحو الانهيار.

وبحسب المصري، لم يعد المطلوب من السلطة الاكتفاء بالتنسيق الأمني أو منع المقاومة، بل الاستسلام الكامل لشروط واشنطن و"تل أبيب"، وهو ما يضعها أمام اختبار وجودي يهدد بتغيير بنيتها أو تفتيتها بالكامل.

 

نحو سحب الاعتراف؟

ويحذّر المصري من أن الخطوة الأميركية الأخيرة قد تمثل مقدمة لسيناريو أكثر خطورة: سحب الاعتراف الأميركي بالمنظمة والسلطة. 

فالمسار بدأ، كما يذكّر، منذ إدارة ترامب الأولى: إغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، نقل السفارة الأميركية إلى القدس، إغلاق القنصلية الأميركية، ووقف معظم أشكال الدعم المالي.

وجود سلطة واحدة، موحدة، ومعترف بها دوليًا، تسعى للحصول على اعتراف أوسع بالدولة الفلسطينية، يُعدّ من منظور "إسرائيل" خطرًا استراتيجيًا على مشروعها التوسعي. 

لذلك، يرى الكاتب أن الاحتلال يعمل على استبدال هذه السلطة بكيانات محلية مفككة، تُدار وظيفيًا لخدمة أهدافه.

 

مشروع توسعي لا يتوقف

في تحليله الأوسع، يربط المصري ما يجري في فلسطين بالمشروع الإسرائيلي التوسعي في المنطقة، والذي يتجاوز حدود الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. فإقامة "مناطق آمنة" في لبنان وسوريا ليست مجرد ضرورات أمنية، بل جزء من عقيدة سياسية–دينية تتبناها حكومة نتنياهو، تقوم على فكرة "إسرائيل الكبرى".

ويُذكّر الكاتب بأنّ التاريخ الإسرائيلي حافل بمحطات توسع: من 1948 إلى 1967، وصولاً إلى اجتياح بيروت عام 1982، ثم التوغلات في غزة وسوريا ولبنان. 

صحيح أن "إسرائيل" انسحبت أحيانًا من بعض المناطق، لكنها في المجمل واصلت مشروعها التوسعي، ما يجعل تهديداتها الحالية جدية للغاية.

 

البعد الشعبي والتحولات العالمية

من موقعه في مؤتمر "غزة البوصلة" الذي عُقد في ديترويت الأميركية، ينقل المصري مشهدًا مختلفًا: آلاف الحضور، معظمهم من الشباب، منخرطون في نقاشات حول الحرية والعدالة ومقاومة الاحتلال. 

هذا المشهد، مقرونًا باستطلاعات رأي أميركية تظهر أن أكثر من نصف الأميركيين يعتبرون ما يجري في غزة إبادة جماعية، وأن 60% يطالبون بوقف توريد السلاح لـ"إسرائيل"، يثبت برأيه أن هناك تحولات عميقة لا يمكن تجاهلها.

 

الوحدة قانون الانتصار

ويختم المصري بالقول إنّ السيناريوهات السيئة تتصدّر المشهد الفلسطيني، لكن الأمل لا يزال قائمًا. الحلّ، من وجهة نظره، يبدأ ببناء وحدة وطنية فلسطينية على أسس ديمقراطية كفاحية، حتى لو جاءت من القاعدة إلى القمة. 

فالوحدة، كما يصفها، هي "قانون الانتصار"، وهي القادرة على تحويل الغضب العالمي والعزلة الإسرائيلية إلى فرصة حقيقية لانتزاع الحرية والعودة وتقرير المصير.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير