في واحدة من أكثر المفارقات دمويةً وفضحًا لخطاب "الإنسانية" الزائف الذي يروّجه جيش الاحتلال الإسرائيلي، ارتكبت طائراته اليوم الثلاثاء مجزرة جديدة في منطقة المواصي غرب خانيونس، بعدما استهدفت مجموعة من الأطفال أثناء تعبئة المياه، ما أسفر عن استشهاد 12 فلسطينيا معظمهم أطفال، وإصابة عدد آخر بجروح خطيرة.
ثلاثة صواريخ أُطلقت من طائرات مسيّرة بلا رحمة، حولت المشهد الإنساني البسيط إلى مجزرة جماعية.
المجزرة وقعت في اليوم ذاته الذي وزّع فيه جيش الاحتلال تعميمًا على سكان مدينة غزة، يحثّهم على الانتقال إلى منطقة المواصي بحجة أنها "منطقة أكثر أمنًا" و"تشهد تقديم خدمات إنسانية أفضل، خاصة المياه والغذاء والرعاية الصحية". لكن الدماء التي سالت على الرمال الجافة للمواصي، تكشف أن هذا التعميم لم يكن سوى فخ جماعي، ومخطط قتل ممنهج بحق المدنيين الذين لجؤوا إلى المكان بحثًا عن الحياة.
المواصي: من "ملاذ آمن" إلى مسرح للمجازر
مكتب الإعلام الحكومي في غزة كان قد حذّر مرارًا من أن منطقة المواصي التي حددها الاحتلال كمكان نزوح آمن، ليست سوى مساحة جغرافية مكتظة بالبشر، تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة.
منذ أشهر يعيش فيها مئات آلاف النازحين في خيام بدائية أو تحت أقمشة مهترئة، وسط انعدام شبه كامل للمياه الصالحة للشرب والخدمات الصحية.
المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أكد في تقاريره أن المواصي تحولت إلى "مقبرة جماعية بطيئة"، حيث يموت السكان بين أمراض الأوبئة والمجاعة من جهة، وغارات الاحتلال اليومية من جهة أخرى.
وقد وثّق المرصد سلسلة من الغارات المتكررة على المخيمات العشوائية داخل المنطقة، ما يتعارض تمامًا مع ادعاءات الاحتلال بأنها "مناطق آمنة".
تواطؤ التعميمات العسكرية مع الجرائم
المجزرة الأخيرة تكشف بوضوح أن التعميمات العسكرية التي يصدرها جيش الاحتلال ليست سوى أدوات خداع، هدفها تجميع المدنيين في مربعات ضيقة ثم تحويلها إلى ساحات إعدام جماعي.
ففي كل مرة يُوجّه الفلسطينيون إلى منطقة معينة بحجة "السلامة"، لا يلبث الاحتلال أن يحوّلها إلى مرمى نيرانه. وهكذا تتكرر الصورة: في الشمال، في دير البلح، والآن في المواصي.
جريمة مركّبة وإدانة دولية مطلوبة
وفق القانون الدولي الإنساني، يُعتبر استهداف المدنيين أثناء جلب المياه جريمة حرب مكتملة الأركان، لكن ما يجعل الجريمة أكثر بشاعة هو أنها جاءت بعد إعلان رسمي من الاحتلال بأن المنطقة آمنة، ما يرقى إلى جريمة تضليل مقصودة تُضاف إلى سجل جرائم الإبادة المستمرة منذ ما يقارب العامين في قطاع غزة.
المنظمات الحقوقية، وعلى رأسها المرصد الأورومتوسطي، دعت المجتمع الدولي للكفّ عن صمته المتواطئ، مؤكدة أن "المواصي" لم تعد منطقة نزوح، بل عنوانًا لسياسة إسرائيلية منهجية.