انقلاب صارخ على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان.. أمريكا تعاقب 3 منظمات حقوقية فلسطينية

متابعة الرسالة نت 

في خطوة أثارت صدمة واسعة في الأوساط الحقوقية والسياسية، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية فرض عقوبات على ثلاث من أبرز المؤسسات الحقوقية الفلسطينية: المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ومركز الميزان لحقوق الإنسان في قطاع غزة، ومؤسسة الحق في رام الله. 
وجاء القرار، وفق البيان الأميركي، بدعوى ارتباط هذه المؤسسات بجهود المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي في غزة.

القرار، الذي وصفه كثيرون بأنه سابقة خطيرة، يأتي في وقت يشهد فيه القطاع واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في التاريخ المعاصر، مع استمرار المجازر اليومية ونزوح السكان وتجويعهم بشكل متعمد، في ما وثّقته منظمات دولية وأكّدته تقارير أممية.

تجريم الضحية وتبرئة الجلاد

ما فعلته الإدارة الأميركية يفضح بجلاء انحيازها التام لـ"إسرائيل"، ويكشف ازدواجية المعايير التي طالما وُصمت بها سياساتها الخارجية. فبدلًا من محاسبة الاحتلال على جرائمه ضد الإنسانية، قررت واشنطن معاقبة من يطالب بالعدالة، في انقلاب صارخ على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان التي تزعم الدفاع عنها.

العقوبات الأميركية لا تستهدف مجرد مؤسسات، بل تضرب في العمق الحق المشروع للشعب الفلسطيني في اللجوء إلى القضاء الدولي. فهي بمثابة رسالة إلى العالم مفادها أن السعي وراء العدالة قد يُكلفك الحرمان من التمويل وتجميد الأرصدة وتشويه السمعة.

المؤسسات الحقوقية ترد: خطوة جبانة وغير ديمقراطية

المنظمات الثلاث أصدرت بيانًا مشتركًا قالت فيه: "ندين بأشد العبارات العقوبات القمعية التي فرضها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، والتي لا يمكن وصفها إلا بأنها فعل جبان، غير أخلاقي، غير قانوني، وغير ديمقراطي.".

وأضاف البيان: "اتخاذ مثل هذه الإجراءات في وقت تُرتكب فيه إبادة جماعية ضد شعبنا، هو انحياز كامل لسياسات الاحتلال، وتجاهل تام لدماء الضحايا وحقوقهم."

المؤسسات شددت على أنها ستواصل عملها في ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، وأن العقوبات لن تثنيها عن رسالتها الإنسانية والقانونية، حتى وإن حاولت الولايات المتحدة تجريم هذا الدور.

الهيئة المستقلة: استهداف خطير للمجتمع المدني

الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان (ديوان المظالم) بدورها دانت القرار الأميركي بشدة، مؤكدة أنه يمثل استهدافًا غير مسبوق للمجتمع المدني الفلسطيني الذي يضطلع بمسؤوليات كبرى في توثيق الجرائم والدفاع عن حقوق الضحايا.

وقالت الهيئة في بيانها إن هذه المؤسسات "تتمتع بسمعة دولية مرموقة وعضوية في شبكات حقوقية إقليمية وأممية، وإن محاولات تجريمها ما هي إلا محاولة لإسكات الأصوات الحقوقية الفلسطينية في ظل جهود محاسبة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية."

وحذرت من أن الخطوة الأميركية تمثل "تهديدًا للنظام الدولي لحماية حقوق الإنسان، وتقويضًا لمبادئ العدالة والمساءلة."

شراكة في الإبادة

من جانبه، اعتبر نائب مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان، سمير زقوت، أن القرار الأميركي لم يكن مفاجئًا، قائلاً: "الولايات المتحدة شريك أصيل في إبادة الشعب الفلسطيني، وتوفر غطاءً سياسيًا وماليًا وقانونيًا للجرائم الإسرائيلية القائمة على الفصل العنصري والتهجير القسري."

وأضاف زقوت في تصريحات صحفية أن المؤسسات الحقوقية الثلاث تقوم بدور محوري في المواجهة القانونية، من خلال نزع الشرعية عن الاحتلال ومحاسبته بالاستناد إلى المرجعيات الدولية، وأن معاقبتها لا تختلف عن استهداف المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، أو المقررة الأممية الخاصة للأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيز، وكل من تجرأ على إدانة جرائم الاحتلال.

وأشار إلى أن العقوبات الأميركية قد تؤدي إلى حرمان هذه المؤسسات من التمويل اللازم لاستمرار عملها، لكنها لن توقف جهودها في خدمة الضحايا وملاحقة المجرمين.


تداعيات دولية وفضيحة أخلاقية

القرار الأميركي لم يأتِ بمعزل عن سياق أوسع. فهو تزامن مع صدور قرار عن الرابطة الدولية لعلماء الإبادة الجماعية يؤكد أن سياسات "إسرائيل" في غزة تستوفي معايير ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948. 
أي أن العالم يتجه نحو الاعتراف بجرائم الاحتلال، بينما تتجه واشنطن نحو حماية المجرم ومعاقبة من يطالب بمحاكمته.

هذه السياسة، التي وصفتها جهات حقوقية بـ"الفضيحة الأخلاقية"، تكشف بوضوح أن الولايات المتحدة لم تعد مجرد طرف منحاز، بل أصبحت شريكًا في التستر على الجرائم، وفي بعض الأحيان شريكًا في صناعتها، من خلال الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي اللامحدود لـ"إسرائيل".

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير