سلّط الكاتب والباحث الجزائري محمد سليم قلالة الضوء على ما اعتبره تحوّلًا استراتيجيًا عميقًا في وعي دول الخليج عقب قمة الدوحة العربية – الإسلامية الأخيرة، حيث باتت هذه الدول تدرك أن الخطر الحقيقي الذي يتهددها لم يعد محصورًا في إيران، بل يتجسد في "الكيان الصهيوني" بتحالفه الوثيق مع الولايات المتحدة وقوته المفرطة.
وكتب قلالة في مقال نشرته الشروق الجزائرية أن القمة حملت إشارات واضحة على مراجعة خليجية عميقة لثلاث مسلمات أساسية:
1. أن إيران لم تعد الخطر الأول والوحيد على المصالح الخليجية.
2. أن التحالف مع القوى المعادية لإيران – وفي مقدمتها الولايات المتحدة و"إسرائيل" – لم يعد خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه.
3. أن بناء حلف سياسي – اقتصادي – أمني مع "إسرائيل"، مثل مشروع ممر الهند – حيفا عبر الخليج والأردن، لم يعد مقبولًا شعبيًا ولا سياسيًا.
ويرى الكاتب أن هذا التحوّل يعكس إنجازًا إستراتيجيًا غير مباشر لمعركة "طوفان الأقصى" التي قلبت معادلات المنطقة رغم الخسائر الكبيرة والتضحيات الجسيمة.
ويشير قلالة إلى أن جيش الاحتلال يسعى بكل الوسائل لتحقيق "وهم النصر"، عبر المزيد من التدمير والتهجير والإبادة، لعلها تُعوّض الخسارة السياسية والاستراتيجية المتمثلة في تبدّل بوصلة الأمن الإقليمي.
ويؤكد أن الاحتلال بات عاجزًا عن تحقيق الحسم العسكري، ما دامت المقاومة قادرة على الصمود حتى بوسائل بسيطة مثل قذائف "الياسين 105".
ويضيف أن هذا الواقع لم يعد يثير قلق قادة الاحتلال فقط، بل وصل إلى حلفائهم في إدارة ترامب الذين باتوا يخوضون حربًا مفتوحة ضد مجموعات صغيرة مسلّحة بأسلحة خفيفة، بينما تفشل الترسانة الأميركية والإسرائيلية في كسر إرادتهم.
أمريكا تفقد هيبتها
بحسب قلالة، فإن الولايات المتحدة نفسها تواجه إهانة استراتيجية، إذ فشلت كل قوتها العسكرية – بما فيها حاملات الطائرات والقنابل الذرية – في هزيمة مقاومة محاصرة بلا مقومات حياة.
هذا الفشل دفع واشنطن إلى تشجيع الاحتلال على ارتكاب مزيد من الجرائم في غزة لمحاولة إنقاذ ماء الوجه بعد هزائمها المتتالية من العراق إلى أفغانستان.
ويعتبر الكاتب أن هذا التحوّل العميق في العلاقات الدولية لم تُحدثه حتى الحروب الكبرى بين الدول مثل حرب أوكرانيا، بل فرضته مقاومة شعب أعزل.
اليمن واستحالة الاستسلام
أضاف قلالة أن القوات اليمنية المقاومة تشكل عاملًا آخر يكشف فشل رهانات واشنطن وتل أبيب، إذ تواصل هجماتها بالصواريخ والمسيّرات رغم الضربات المتواصلة.
ويرى أن "طوفان الأقصى" أبرز عبقرية قياداته، وعلى رأسهم يحيى السنوار، محمد ضيف، وإسماعيل هنية الذين تحولوا إلى رموز إستراتيجية بعد استشهاد بعضهم.
سقوط صورة "إسرائيل" في العالم
ويرى الكاتب أن "الكيان الصهيوني" أصبح اليوم منبوذًا عالميًا، فلم يعد قادرًا على تسويق نفسه كـ"واحة ديمقراطية" أو جيش "لا يُقهر".
ويصف قلالة التحول الكبير في الرأي العام الدولي، حيث بات حاملو الجنسية الإسرائيلية يواجهون الاستهجان والنبذ في مطارات العالم، بعد أن ارتبطت صورة دولتهم بجرائم الحرب والإبادة.
ويؤكد أن كلما ازداد الاحتلال في جرائمه ضد غزة، كلما خسر المزيد من شرعيته الدولية، وتراجعت معه صورة الولايات المتحدة، إلى أن يصبح الاعتراف بالدولة الفلسطينية أمرًا حتميًا مهما طال الزمن.
ويخلص قلالة إلى أن ما يجري اليوم يعكس تغيّرًا إستراتيجيًا تاريخيًا في المنطقة والعالم. فالمعادلة الجديدة لا تسمح ببقاء "إسرائيل" في صورتها السابقة كقوة مهيمنة، بل تدفعها وحليفتها واشنطن نحو التراجع والعودة إلى حجمهما الطبيعي. وفي النهاية، ستنتصر قوى الحق على الباطل مهما طغى وتجبر.