حرب لا تشبه الحروب

وسام عفيفة

في #غزة… بعد عامين من حرب لا تشبه الحروب، بل أشبه ما تكون بآلة صماء تدور بلا نهاية، صار للناس أطوار نفسية تشبه ما وصفه فيكتور فرانكل في معسكرات الاعتقال #النازية.

أولًا، الصدمة: صدمة من فقدان كل شيء، البيت ينهار فوق أهلك في ثانية، وتفاجأ أن اسمك صار مدرجًا في قوائم الناجين لا الأحياء.

ثم يأتي طور التبلّد، ذلك الجمود العجيب الذي يكسو الوجوه، حيث تتابع أخبار القصف كما تتابع نشرة الطقس. الألم يتكرر حتى يصير اعتيادًا، والجوع يُزاحمك على مائدة فارغة، والنزوح يتكرر حتى تصبح الحقيبة الصغيرة جزءًا من جسدك.

البعض يظن أن هذا التبلّد موتٌ بطيء، لكنه في الحقيقة آلية بقاء؛ قشرة سميكة تحمي الروح من الانهيار. تمامًا كما يطفو المرء فوق الماء كي لا يغرق.

ويبقى الطور الثالث، طور ما بعد الكارثة. لا أحد يعرف متى سيأتي، أو كيف. لكن ما يثير الدهشة أن الناس هناك، وسط الركام والخيبات، ما زالوا يبحثون عن معنى صغير: طفل يكتب واجبه على حجر، أمّ تخبئ آخر قطعة خبز لطفلها، شاب يضحك رغم أنه فقد نصف عائلته.

الصمود في غزة ليس فقط مواجهة القنابل، بل مواجهة الفراغ الداخلي الذي يتركه القصف والموت وراءه.

ولعل تحويل الألم إلى كلمات، كما نفعل الآن، محاولة للنجاة… وللتشبث ببصيص معنى يجعلنا نستمر، ولو خطوة أخرى، وسط هذا الليل الطويل؛ الليل الذي لا يبدو له آخر، لكن مجرد التمسك بالأمل هو في ذاته شكل آخر من أشكال المقاومة.