مع تصاعد أعداد الضحايا في غزة واستمرار حرب الإبادة الإسرائيلية، بدأت دوائر صنع القرار في الاتحاد الأوروبي تناقش لأول مرة خيار فرض عقوبات اقتصادية على الكيان الصهيوني.
خطوة وُصفت بأنها تاريخية وغير مسبوقة في العلاقات بين أوروبا و"إسرائيل"، لكنها تكشف في الوقت ذاته حجم المأزق الأخلاقي والسياسي الذي تواجهه القارة العجوز.
في مقالها المنشور على موقع الجزيرة مباشر، تؤكد الكاتبة الأردنية ماجدة ملاوي أن ما يجري اليوم يمثل "صدمة لإسرائيل من حليف تاريخي غير متوقع"، مشيرة إلى أن الاتحاد الأوروبي يستعد لمناقشة عقوبات قد تطال صادرات "إسرائيل" إلى أسواقه، والتي تبلغ نحو 17 مليار يورو سنويًا.
ازدواجية أوروبية فاضحة
وتوضح ملاوي أن موقف الاتحاد الأوروبي من العدوان على غزة يطرح سؤالًا محوريًا: هل تكتفي بروكسل بالخطابات الإنسانية، أم تتحرك نحو خطوات عملية رادعة؟.
وتضيف أن المقارنة مع الموقف من روسيا تكشف حجم التناقض: "حين غزت موسكو أوكرانيا، لم يتردد الاتحاد الأوروبي في فرض عقوبات شاملة وسريعة، بينما يكتفي اليوم بالتنديد اللفظي بجرائم إسرائيل".
وتنقل الكاتبة عن الصحفي الفرنسي أوليفييه بروير قوله: "لو استبدلنا كلمة روسيا بكلمة إسرائيل في جميع قرارات العقوبات الأوروبية، لانتهى الصراع خلال أسبوع على الأكثر. لكننا ببساطة لا نريد ذلك."
ضغط شعبي يقود القرار
وتؤكد ملاوي أن الضغوط الشعبية الداخلية في أوروبا كانت من أبرز العوامل التي دفعت بعض الدول، مثل إسبانيا وأيرلندا وبلجيكا، للتحرك نحو ملف العقوبات.
إسبانيا رأت أن تجاوز "إسرائيل" لكل الخطوط الحمراء في غزة يستدعي موقفًا حازمًا.
أيرلندا، بتاريخها المناهض للاستيطان، عادت لتطالب بوقف استيراد منتجات المستوطنات.
أما بلجيكا، مركز ثقل السياسة الأوروبية وموطن المفوضية، فقد شكّلت منصّة أساسية لرفع صوت المجتمع المدني المؤيد للعقوبات.
الأثر الاقتصادي المحتمل
وتشير الكاتبة إلى أن الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأول لـ"إسرائيل"، حيث تتجه 30% من صادراتها إلى الأسواق الأوروبية، وتتنوع بين الأدوية، الكيماويات، المنتجات الطبية والزراعية، والتكنولوجيا.
وبحسب تقديرات 2023، فإن عقوبات جزئية قد تكلف "إسرائيل" ما بين 3 و5 مليارات يورو سنويًا (1-1.5% من الناتج المحلي)، أما عقوبات شاملة قد تؤدي إلى خسارة تصل إلى 12 مليار يورو سنويًا (نحو 3% من الناتج)، ما سيؤثر مباشرة في سعر صرف الشيكل ويزيد التضخم.
وتضيف ملاوي أن العقوبات قد تشمل أيضًا إدراج وزراء متطرفين مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش على قوائم الحظر وتجميد الأصول، إضافة إلى مستوطنين متورطين في العنف.
الانقسام الأوروبي
لكن الطريق أمام هذه العقوبات ليس مفروشًا بالورود. فبحسب ملاوي، هناك دول مثل ألمانيا والمجر والتشيك والنمسا تميل لعرقلة المسار حرصًا على علاقاتها مع "إسرائيل" والولايات المتحدة.
أما فرنسا وإيطاليا فتتبنى نهجًا وسطًا، فهي لا ترفض الضغط على "إسرائيل" لكنها تفضّل خطوات تدريجية لتجنب التصعيد.
وترى الكاتبة أن "إسرائيل" ستسعى لامتصاص الضغوط عبر حلفها الأمريكي، وربما تستغل العقوبات داخليًا لتعبئة الرأي العام عبر مزاعم "العداء للسامية".
سابقة تاريخية رغم التحفظات
وتؤكد ملاوي أن مجرد طرح خيار العقوبات في مؤسسات الاتحاد الأوروبي يمثل حدثًا استثنائيًا: "إسرائيل واجهت إدانات وضغوطًا في السابق، لكن لم تصل الأمور إلى حد التفكير في فرض عقوبات مباشرة على صادراتها".
وتخلص إلى أن هذه الخطوة، حتى لو كانت محدودة، قد تفتح الباب أمام دول أخرى لاتخاذ مواقف مشابهة، مما يضع "إسرائيل" أمام عزلة دولية متزايدة، ويجعل الاتحاد الأوروبي أمام امتحان حقيقي لمصداقيته كمدافع عن حقوق الإنسان.
وتختم الكاتبة بأن العقوبات الأوروبية، وإن لم توقف جرائم الحرب بين ليلة وضحاها، إلا أنها تمثل منعطفًا تاريخيًا ورسالة قوية: لم يعد بالإمكان غضّ الطرف عن الإبادة في غزة، وأوروبا اليوم على المحك، إما أن تنتصر لقيمها المعلنة، أو تسقط نهائيًا في فخ ازدواجية المعايير.