مقال: خطاب بحجم أمة

يسري الغول

لم يكن خطاب الرئيس الكولومبي بيترو غوستافو عاديًا أو عابرًا بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين شعروا بالخيبة من زعماء الأمتين العربية والإسلامية، إذ قال بلا مواربة: "أن نبقى ننتظر خطابات، هذا غير ممكن، الآن هو وقت العمل، وأؤكد وسأدعو إلى ذلك في كولومبيا أنني سأبدأ تسجيل المتطوعين من الكولومبيات والكولومبيين لتحرير فلسطين، وإن سئلت، فلن أتأخر أن أكون بينهم".

هذا الموقف أظهر الجانب الأخلاقي لكثير من بلدان العالم تجاه فلسطين بعد عملية طوفان الأقصى، التي شرعت في إظهار التمايز الحقيقي بين الأحرار والعبيد.

في المقابل، جاءت كلمات معظم زعماء المنطقة العربية، بما في ذلك دولة قطر التي تم الاعتداء عليها مؤخرًا، مليئة بالخنوع والتوسل، بلغة دبلوماسية لا تتناسب مع غطرسة القوى الاستعمارية، بدلًا من أن تكون لغة تهديد ووعيد تدعو إلى حشد جيوش وشبان الأمة للدفاع عن فلسطين. بخلاف ذلك، أعلن البيت الأبيض لاحقًا أن الرئيس بيترو شخص غير مرغوب فيه، وسيتم سحب الفيزا منه ومن وفده المرافق.

العرب يمتلكون عوامل قوة وضغط هائلة يمكن استخدامها لوقف الحرب والإبادة، بل ولتحقيق مبدأ حل الدولتين، لكنهم يعمدون إلى تعطيلها. بداية من وقف تصدير النفط، وصولًا إلى منع حركة الطيران المدني الإسرائيلي فوق الأراضي العربية، وهو ما قد يكبد الاحتلال خسارة تتجاوز 5% من اقتصاده المحلي بحسب أحد مراكز البحث الخليجية.

وبينما تجري إبادة غزة بكل أنواع الأسلحة، ويُقتل مئات الآلاف من سكان القطاع، يبقى السلوك الرسمي العربي مريبًا أمام صمت الشعوب المنشغلة بأعباء الحياة. ويصعب تجاهل بقاء مندوبي بعض الدول العربية في قاعة الأمم المتحدة للاستماع إلى خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي، الأمر الذي يُظهر شذوذ موقف هذه الدول مقارنة بالدول الأخرى، في وقت تعادي فيه المقاومة.

وتعود الذاكرة الفلسطينية إلى لحظة سمحت فيها إحدى دول الطوق للبوارج الحربية الإسرائيلية بالمرور عبر ممر بحري هام خلال حرب الإبادة، بينما تذرّعت حكومتها بأن الممر "دولي"، في تناقض صارخ مع موقف اليمن الذي منع مرور السفن المتجهة نحو الاحتلال، أو عمال ميناء جنوى في إيطاليا الذين رفضوا شحن أسلحة إلى "إسرائيل".

كما لا يمكن التغافل عن خوف حكومة الاحتلال من المرور فوق الأراضي الأوروبية خوفًا من الملاحقة القضائية، بينما تبقى السماء العربية مباحة أمام طائرات الاحتلال لضرب غزة وإيران وقطر، في حين يُمنع مرور طائرات المقاومة اليمنية أو الإيرانية التي يمكن أن تعيد التوازن في المنطقة.

أما في خطابات الأمم المتحدة، فقد سعى كثيرون للمساواة بين الجلاد والضحية، بين "دولة" قامت على دماء الفلسطينيين وفصائل المقاومة التي أعادت الاعتبار للقضية بعد موجة التطبيع العربي. بدلاً من الانتصار لدم الفلسطيني، جرى تحميل الضحية جانبًا من الإثم. هنا يستحضر الكاتب قصيدة أحمد مطر "الثور والحظيرة" التي تنبأت بمآلات هرولة العرب نحو الكيان الصهيوني.

اليوم تبدو الأمة ضعيفة، مفككة، تقتات الذل وتبحث عن حفنة أمن بينما يبطش الاحتلال بلا رادع، مستندًا إلى لوبيات قوية داخل الكونغرس والبيت الأبيض، تحكمها الرأسمالية التي يقودها رئيس أرعن سيهوي بولاياته قريبًا.

 

المصدر: الميادين