منذ اندلاع معركة "طوفان الأقصى" في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، أخذ التناقض بين الأنظمة العربية الرسمية وشعوبها أبعادًا غير مسبوقة.
هذا ما تناوله الكاتب حلمي الأسمر في مقاله "الأنظمة والطوفان... من الانفصام إلى الانفجار"، حيث رسم ملامح أزمة الشرعية التي تعيشها الحكومات العربية، في مقابل الاصطفاف الشعبي العارم خلف القضية الفلسطينية والمقاومة.
الأسمر في مقاله المنشور على موقع العربي الجديد يحذر من أن هذا الانفصام قد يتحول إلى انفجار سياسي واجتماعي، يجعل من فلسطين مفتاحًا لتغيير داخلي في العالم العربي.
الأنظمة في مأزق الشرعية
ويؤكد الكاتب أن الأنظمة العربية الموقعة على اتفاقات التطبيع أو المنخرطة في مشاريع السلام مع الاحتلال، تعيش مأزقًا مركبًا.
فهي من جهة تحت ضغوط أمريكية وغربية لإضعاف حركات المقاومة وتوسيع دائرة "اتفاقات أبراهام"، ومن جهة أخرى تواجه شعوبًا ترى في المقاومة خط الدفاع الأول عن كرامة الأمة.
هذا التناقض يضعها أمام معضلة وجودية: كيف توازن بين إملاءات الخارج ووجدان الداخل؟
فلسطين هوية لا تموت
ويشدد الأسمر على أن فلسطين بالنسبة إلى الشعوب ليست مجرد ملف سياسي، بل هوية ووجدان جمعي. من الرباط إلى بغداد ومن القاهرة إلى صنعاء، خرجت الجماهير في الشوارع وعلى المنصات الرقمية لتؤكد أن خيار المقاومة يجد صدىً عميقًا في ضمير الأمة. ورغم التضييق الأمني في بعض الدول، إلا أن الإعلام الجديد أثبت أنه ساحة مفتوحة لإظهار التضامن مع غزة.
ويشير الكاتب إلى أن الأنظمة واجهت هذا المزاج الشعبي بالقمع والرقابة، مع اعتماد خطاب مزدوج يجمع بين التصريحات الإعلامية المؤيدة للفلسطينيين، والممارسات العملية المتماهية مع الاحتلال، سواء عبر التطبيع أو التنسيق الأمني. غير أن هذه الأساليب لا تحل الأزمة، بل تؤجل لحظة الانفجار.
السيناريوهات المحتملة
ويطرح الأسمر ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل العلاقة بين الأنظمة وشعوبها في ضوء القضية الفلسطينية:
1. الاستمرار في النهج الحالي (قصير المدى): تواصل الأنظمة علاقاتها مع الاحتلال والغرب مكتفية بمواقف رمزية تجاه فلسطين، ما يزيد الاحتقان الشعبي.
2. تصاعد الضغط الشعبي (متوسط المدى): إذا واصلت المقاومة تحقيق إنجازات ميدانية ورفضت خطط الاستسلام، سيزداد زخم الرأي العام العربي، ما قد يفرض على الحكومات إعادة النظر في مواقفها.
3. تحولات جذرية (بعيد المدى): في حال استمرت الهوة بين الحكومات وشعوبها وتفاقمت الأزمات الداخلية، قد تتحول فلسطين إلى شعار مركزي للتغيير السياسي داخل الدول العربية، وصولًا إلى انفجارات شعبية تطيح بالأنظمة القائمة.
العامل الدولي
ويضيف الكاتب أن ميزان القوى الدولي عنصر حاسم في تحديد مستقبل الأنظمة. فالهيمنة الأمريكية وفّرت غطاءً طويل الأمد لها، لكن صعود قوى أخرى مثل الصين وروسيا وإيران قد يقلص من قدرة الحكومات على مواجهة شعوبها.
عندها ستكتسب المقاومة وحلفاؤها مساحة أكبر للتحرك، بينما قد تتخلى واشنطن عن حماية بعض حلفائها إذا مالت الكفة للشعوب.
من الانفصام إلى الانفجار
ويختم الأسمر مقاله بالتأكيد على أن النظام العربي الرسمي السائد ضد المقاومة يعيش على حافة هاوية الشرعية.
فبينما يتمسك بالحسابات الخارجية، تنمو في وجدان الشعوب كتلة سياسية ورمزية ترى في المقاومة مستقبل الأمة.
ويطرح تساؤلًا خطيرًا: هل تصل رسالة الشعوب إلى "عقلاء الأنظمة" قبل الانفجار الكبير؟
أما بالنسبة للعدو الإسرائيلي وحلفائه الغربيين، فيرى الكاتب أنهم لا يعيرون خطر هذا الانفجار اهتمامًا، بل يواصلون حربهم الوجودية ضد المقاومة، ساعين إلى استئصالها من جذورها، غير مدركين أن ثمن هذا التوجه قد يكون فادحًا على المنطقة والعالم بأسره.
مقال حلمي الأسمر يرسم لوحة سياسية قاتمة: الأنظمة العربية تواجه شعوبها، وفلسطين تتحول من ملف خارجي مزعج إلى قضية داخلية مفجّرة.
السؤال الكبير الذي يطرحه: هل تتدارك الأنظمة هذه اللحظة التاريخية قبل أن تتحول إلى زلزال عربي شامل يغيّر ملامح المنطقة بأسرها؟