يقدّم الخبير العسكري والأمني عبدالله أمين، في قراءة تحليلية لوثيقة غير رسمية استندت إلى مقال منشور في فورين أفيرز للّواء السابق مئير بن شابات وبمشاركة أشر فريدمان، خلاصاتٍ أولية عمّا يمكن أن يشكّل مرتكزات النظرية الأمنية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر.
ويؤكد أمين أن ما تسوّقه الدوائر الإسرائيلية بوصفه “تصوّرًا لمرحلة ما بعد طوفان الأقصى” ليس مجرد تحديثٍ تكتيكي، بل تحوّل عقائدي يطال طريقة تعريف التهديد، واتخاذ القرار، وقواعد الاشتباك.
قبل الطوفان: أربع ركائز كلاسيكية تهاوت
ويشير عبدالله أمين إلى أنّ نظرية الأمن القومي الإسرائيلي، حتى ما قبل حرب تموز/يوليو 2006، ارتكزت على ثلاث قواعد: الردع، والإنذار المبكر، والحسم؛ ثم أُضيفت لاحقًا ركيزة الدفاع بفعل تصاعد تهديد الصواريخ على الجبهة الداخلية.
ويبيّن أن هذا البناء ظلّ يعمل “بالمراوحة” إلى أن جاء طوفان الأقصى فـقلب الموازين ولامس حدود التهديد الوجودي من وجهة نظر تل أبيب، ليتبدّل معه قاموس المؤسسة الأمنية من حديثٍ عن “جيش مردوع” و“اقتصاد لا يحتمل الاستنزاف” إلى تعبيرات مثل “حرب الوجود” و**“حرب الاستقلال الثانية”**، على حدّ تعبيره.
بعد الطوفان: ثلاث ركائز جديدة
ويستخلص أمين من قراءة مقال بن شابات وفريدمان، ومن تحليل السلوك الإسرائيلي خلال العامين التاليين، ثلاث ركائز رئيسية باتت تحكم الفعل الأمني والعسكري الإسرائيلي:
1) الإحباط المبكّر للتهديدات (Pre-emptive Frustration)
يؤكد الكاتب أن تل أبيب انتقلت من الاكتفاء بـ“التلويح بالقدرات لغايات الردع” إلى تشغيل القدرة مبكرًا ضد أي مؤشرات لتراكم تهديدات في البيئات المحيطة، “حتى قبل اكتمال نضجها”. ووفق أمين، جاء هذا التحوّل بعد أن أثبت الطوفان انهيار فرضية الردع؛ فالتراخي مع التهديد — بحسب التصوّر الإسرائيلي الجديد — يكلّف أثمانًا وجودية لاحقًا.
2) الاستقلال الإستراتيجي في قرار الحرب والسلم
يشرح أمين أن تفعيل الضربات الاستباقية يتطلّب استقلالًا عن ضغوط الحلفاء في القرار السياسي والعسكري واللوجستي، بما يشمل إدامة القتال وإدارة التفاوض الموازي.
ويشدّد على أن تل أبيب تعتبر هذا الاستقلال شرطًا لحماية “اليد الطولى” من قيود الشركاء، وخاصة عندما تتعارض حساباتهم مع “الأولويات الوجودية” للكيان.
3) لا خطوط حمراء
يرى أمين أن السلوك الإسرائيلي عبر ساحات لبنان، وسوريا، وإيران، وقطر قدّم تطبيقًا عمليًا لقاعدة “كسر القيود”؛ إذ جرى استهداف قادة من الصف الأول، بل ومسؤولين رسميين يتمتعون بحصانات عرفية في منطق العلاقات الدولية. ووفق قراءته، باتت تل أبيب تعتبر أن منطق الحرب الصفرية يبرّر تجاوز الأعراف والقوانين إذا تعارضت مع مقتضيات “الحسم الوجودي”.
الأهداف العملية للعقيدة الجديدة
يلخّص عبدالله أمين ما تعتبره تل أبيب “غايات الأمن القومي” في المرحلة الجديدة بثلاثة محاور:
السيطرة على الأرض: توسيع السيطرة الفعلية في غزة والضفة، وفرض وقائع في سوريا عند الحاجة.
تعديل الحدود: تكريس الأمر الواقع تمهيدًا لاتفاقات لاحقة أو تغييرات ترسيمية مدفوعة بالقوة.
سقوف عسكرية طموحة: يورد الكاتب مثال الحرب القصيرة مع إيران، حيث طُرحت أهداف قصوى وصلت — وفق تقديره — إلى مستوى “تغيير النظام” كحدٍّ أقصى لسقف الغايات.
أدوات التنفيذ: قدرات ذاتية وتحالفات “مُتمّمة”
بحسب أمين، تتكئ تل أبيب على مسارين متوازيين:
1. قدرات ذاتية عسكرية/أمنية/اقتصادية/تكنولوجية، يجري تطويرها لاحتواء تهديدات متزامنة على أكثر من جبهة.
2. قدرات رديفة عبر تحالفات إقليمية ودولية مرنة تُستخدم لسدّ الثغرات وتعظيم الضغط السياسي والاقتصادي، مع حفاظٍ على حرية العمل حين تتعارض أجندات الشركاء مع الأولويات الإسرائيلية.
قواعد اشتباك على حافّة الانفجار
تُظهر قراءة عبدالله أمين أن المنطقة تتّجه إلى مرحلة قواعد اشتباك سيّالة: فالإسرائيلي يوسّع تعريف “التهديد” ليشمل البنى المدنية/اللوجستية المتهمة بـ“الخدمة المزدوجة”، ويُقونن الضربات المعيارية خارج مسرح غزة، ويدمج الحروب القصيرة عالية الوتيرة بعمليات اقتصادية/سيبرانية/قانونية لخلق تأثير مركّب. والنتيجة — وفق أمين — تطبيعٌ متزايد لاستخدام القوة خارج الخطوط التقليدية.
توصيات المواجهة كما يطرحها الكاتب
يقدّم عبدالله أمين حزمة توصيات إستراتيجية مضادة للتعامل مع التحوّل الإسرائيلي:
1. إعادة تعريف التهديد وأثره المتعدّد الأبعاد (عسكري/قانوني/اقتصادي/سيبراني).
2. إعادة تعريف المصالح الوطنية والحركية بما يحدّ من تباينات الساحات.
3. تحديث قواعد الاشتباك بما يستوعب خصمًا لا يراعي خطوطًا حمراء.
4. بناء شبكة تحالفات ذكية تقلّص الفجوات العملياتية وتوفّر مظلّة ردع سياسي وقانوني.
ويختم بأن التحوّل الإسرائيلي بنيويٌّ لا تكتيكي، وأن تجاهله سيقود خصوم تل أبيب إلى فجوات مؤلمة في التقدير.