يرى الكاتب محمد الشبراوي حسن أن ما يجري في غزة اليوم يتجاوز حدود الحرب العسكرية إلى اختبارٍ أخلاقي وإنساني شامل، يعيد إلى الذاكرة حصار المدينة المنوّرة في معركة الأحزاب خلال العهد النبوي.
ويشير في مقاله المنشور على موقع الجزيرة مباشر إلى أن غزة، بموقعها الجغرافي ومعناها الرمزي، تقف أمام تحدٍّ وجودي شبيه بتلك اللحظة التاريخية، حين واجهت المدينة تحالفًا واسعًا من قوى خارجية وداخلية.
وبينما تميل موازين القوة ماديًا لصالح الاحتلال الإسرائيلي، يقول الكاتب إن ميزان المعنى والمبدأ يميل لصالح غزة التي “تحوّلت إلى امتحان للضمير الإنساني ومفاهيم العدالة والسيادة والمقاومة”.
من معركة السلاح إلى معركة المفهوم
ويؤكد الشبراوي أن معركة الأحزاب في التاريخ الإسلامي لم تكن مواجهة عسكرية بحتة، بل تحوّلاً سياسيًا وأخلاقيًا في مفهوم الصراع.
فالنبي ﷺ – كما يوضح – لم ينتصر بالسلاح، وإنما بصموده وثباته وإعادة تشكيله لفهم الصراع على أسس معنوية، وهو ما يشبه ما تفعله غزة اليوم: “المدينة يومها لم تكن تمتلك توازنًا عسكريًا، لكنها امتلكت وضوحًا أخلاقيًا وثقةً بقيادتها. وغزة اليوم تمثل الحالة نفسها في وجه آلة الحرب المتفوقة تقنيًا”، بحسب الكاتب.
وفي فقرة أخرى، يربط الكاتب بين حصار غزة الحديث وحصار المدينة القديمة في السنة الخامسة للهجرة.
ويقول الشبراوي: “كما تجمعت القبائل يومها على أسوار المدينة، تجتمع اليوم قوى إقليمية ودولية لمحاصرة غزة بجدران من نار وحديد، وسط خطابٍ متكرر عن القلق وضبط النفس، يخفي عجزًا أخلاقيًا عالميًا”.
ويضيف أن غزة تخوض “معركتين متوازيتين”: الأولى في الميدان العسكري، والثانية على مستوى المعنى، أي في الدفاع عن الحق في تعريف العدالة وتحدي المعايير المزدوجة للمجتمع الدولي.
ويرى الكاتب أن “غزة تكسر الحصار اليوم كما كسره النبي ﷺ يوم ردّ الله الأحزاب بغيظهم دون أن ينالوا خيرًا”.
المنافقون في المدينة.. والصامتون في حاضرنا
ويستحضر الشبراوي مشهد الانقسام الداخلي الذي رافق حصار المدينة ليقارنه بواقع بعض الخطابات العربية والدولية تجاه غزة.
ويقول إن “المنافقين الذين بثّوا الشكوك في القيادة النبوية آنذاك، لهم أشباه اليوم في أصوات النخب التي ترفع شعار الحياد أو الواقعية السياسية”.
ويعتبر أن هذا الحياد ليس سوى “خيانةٍ ناعمة تُنهك المقاومة عبر التشكيك والخذلان”، مؤكدًا أن الصمت الدولي تجاه الجرائم في غزة يوازي خطاب المنافقين الذين قالوا: «ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا».
من بدر إلى أنفاق غزة
ويقول الكاتب محمد الشبراوي حسن إن معركة بدر كانت لحظة وعيٍ مبكر بأن القتال دفاعٌ عن الوجود والمعنى معًا، وهو ما يتكرر في غزة اليوم.
فالمقاومة – كما يصفها – “ليست مجرد معركة عسكرية، بل إعادة تعريفٍ للحرية والكرامة، وترسيم جديد لمعادلات القوة في الإقليم”.
ويضيف أن “أنفاق غزة ليست مجرد بنية تحتية للمقاومة، بل رمزٌ لاستمرار الوعي المقاوم، كما كانت خنادق المدينة رمزًا لصمود الإيمان أمام التحالف العسكري الواسع”.
ويشبّه الكاتب التحالف الدولي والإقليمي الداعم للاحتلال اليوم بـ“تحالف الأحزاب الجديد”، قائلاً إن “الاختلاف فقط في الأدوات واللغة، أما الهدف فهو نفسه: إسقاط نموذجٍ أخلاقيّ يُذكّر العالم بعدالته المفقودة”.
غزة كمحكٍّ لاختبار الأمة والضمير العالمي
ويختتم محمد الشبراوي حسن مقاله بالإشارة إلى أن غزة أصبحت ميدانًا لاختبار الضمير الجمعي للأمة والعالم.
ففي لحظات الحصار الكبرى – كما يقول – لا تُختبر الجيوش فقط، بل يُختبر المعنى نفسه، تمامًا كما كان الحال في المدينة التي حفرت خندقها وصبرت على العطش والخوف.
ويستشهد الكاتب بقول النبي ﷺ بعد غزوة الأحزاب: “الآن نغزوهم ولا يغزوننا”، معتبرًا أن هذه العبارة تختصر التحول من الدفاع إلى المبادرة، ومن الحصار إلى الفعل.
ويضيف أن “غزة اليوم تُعيد إنتاج هذا الوعي؛ فصمودها لم يعد مجرّد بقاء، بل تحوّل إلى فعلٍ يُعيد للعالم تعريف النصر والهزيمة”.