غزّة تُسقِط الأسطورة الصهيونية وتُطلق موجة تحرّر عالمي

الرسالة نت- متابعة 

يرى الكاتب عوض عبد الفتاح أنّ مقولة “شعب الله المختار” تتعرّض اليوم لأقوى هزّة منذ الحرب العالمية الثانية، ليس من أعداء الصهيونية أو خصومها التاريخيين، بل من داخل الغرب نفسه، وخصوصًا من أصواتٍ كانت حتى الأمس القريب من أبرز المدافعين عن “إسرائيل” ومبرّري وجودها.
يستشهد الكاتب في مقاله المنشور على موقع عرب48 بالإعلامي الأميركي المحافظ تاكر كارلسون، الذي فاجأ العالم حين قال: “إن الله لا يختار شعبًا يقتل الأطفال والأبرياء.”

هذا التصريح، كما يرى عبد الفتاح، لم يكن مجرّد صحوة دينية، بل تحوّل سياسي وفكري داخل المعسكر اليميني الأميركي نفسه، إذ بدأ بعض المحافظين يدركون أن التحالف غير المشروط مع المشروع الصهيوني يضرّ بمصالح أميركا ويشوّه قيمها المُعلنة عن الحرية والعدالة. ومنذ تلك اللحظة، تحوّل كارلسون إلى هدفٍ لحملة تشويه وتهديد من اللوبي الصهيوني في واشنطن، دون أن يتراجع عن نقده لسياسات “إسرائيل” ودونالد ترامب.

تمرّد مستمر على فكرة التفوّق الإلهي

ويربط عبد الفتاح بين موقف كارلسون الراهن وموقف الفيلسوف باروخ سبينوزا قبل أربعة قرون، حين رفض فكرة الاختيار الإلهي، معتبرًا أنّ جميع البشر متساوون أمام الله والطبيعة، وأن الاختيار – إن وُجد – يعني مسؤولية أخلاقية لا تفوّقًا عرقيًا.
يذكّر الكاتب بأن سبينوزا دفع حياته الفكرية ثمنًا لموقفه ذاك، حين كفّره الحاخامات وطُرد من جماعته، لكنه أسّس للعقل الفلسفي الحديث في أوروبا. واليوم، تتجدد تلك الثورة الفكرية ضد “القداسة السياسية” التي تحيط بها الصهيونية نفسها.

غزّة كمرآةٍ للعالم

ويؤكد عبد الفتاح أن العدوان على غزّة كشف انهيار البنية الأخلاقية للصهيونية أمام الرأي العام العالمي، إذ لم تعد المجازر والقصف والتجويع قابلة للتبرير تحت شعارات “الدفاع عن النفس” أو “الحق التاريخي”.
لقد أدّى صمود الشعب الفلسطيني إلى انكشاف الخرافة الكبرى التي ادّعت “إسرائيل” عبرها لنفسها حصانةً أخلاقية لعقود طويلة. وكلما ازداد التوحّش الإسرائيلي، تعمّقت عزلتها الأخلاقية والسياسية، حتى بين حلفائها الغربيين التقليديين.


سقوط الخرافة وانكشاف النظام العالمي

ويصف الكاتب ما يجري بأنه تحوّل حضاري عميق يتجاوز فلسطين إلى بنية النظام الغربي نفسه. 
فحين تسقط الأسطورة التي شرّعت الاستعمار والإبادة، تتعّرى منظومة السيطرة الغربية من “قدسيتها” الزائفة، وتبدأ مرحلة جديدة من إعادة التفكير في مفاهيم التفوّق، والحرب، والهيمنة باسم الله والتاريخ.
في هذا السياق، تغدو غزّة رمزًا لتحرّر عالمي، إذ لم تعد مجرّد ساحة صراع محلي، بل منارة أخلاقية تُعيد تعريف الإنسانية في مواجهة التوحّش.

فلسطين بوصفها قضية العالم

ويختم عوض عبد الفتاح مقاله بدعوةٍ واضحة: على الفلسطينيين أن يستوعبوا حجم التحوّل التاريخي، وأن يعيدوا بلورة مشروعهم الوطني على أسسٍ تحرّرية وإنسانية جامعة، تتجاوز الانقسام، وتربط نضالهم بالموجة العالمية الصاعدة ضد الاستعمار والعنصرية.

“إن انكشاف الصهيونية ليس انتصارًا للفلسطينيين وحدهم، بل خطوة في مسيرة تحرير البشرية من نظامٍ شرّع الجريمة باسم الله والتاريخ.”

ويرى عبد الفتاح أن غزّة لم تَسقُط تحت النار، بل أسقطت الأسطورة التي قامت عليها “إسرائيل”، وأن هذا السقوط ليس سياسيًا فقط، بل فكري وإنساني، إذ بدأت “المقدسات السياسية الغربية” تتهاوى واحدة تلو الأخرى.
وبينما تنهض الشعوب على وعي جديد بحقيقة الصهيونية، تفتح غزّة — بدمها وصمودها — أفقًا عالميًا للتحرّر من عبودية القوة والخرافة معًا.