اعترف رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، بفشل المؤسسة العسكرية في التصدي لهجوم السابع من أكتوبر 2023، مؤكّدًا أن الجيش "أخفق في أداء مهمته بحماية إسرائيل"، وأنه "يتحمّل المسؤولية كاملة".
هذا الاعتراف، الذي جاء خلال مراسم إحياء الذكرى الثانية للهجوم على جبل "هرتسل" في القدس، مثّل ضربة جديدة لصورة الجيش الإسرائيلي التي لطالما سُوّقت باعتبارها الأقوى والأكثر جاهزية في الشرق الأوسط.
زامير قال بوضوح إن "التحقيق في أحداث ذلك اليوم سيستمر بمصداقية وشفافية واحترافية"، معتبرًا أن ذلك واجب تجاه "الضحايا والمختطفين ودولة إسرائيل بأسرها".
لكن ما لم يقله زامير صراحةً هو أن هذا "الفشل" لم يعد مسألة عسكرية فقط، بل تحوّل إلى أزمة وجودية تضرب ثقة الإسرائيليين بمؤسساتهم السياسية والأمنية.
المحكمة العليا تُحرج حكومة نتنياهو
في السياق ذاته، أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية حكومة بنيامين نتنياهو بتقديم تقرير رسمي خلال شهر يوضّح مدى التقدم في تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات السابع من أكتوبر.
جاء القرار عقب التماس قدّمه "معهد زولات" وشارك فيه 86 عضو كنيست سابقًا وعدد من منظمات المجتمع المدني، طالبوا بتشكيل لجنة مستقلة برئاسة قاضٍ سابق في المحكمة العليا، في ظلّ ما اعتبروه "تواطؤًا حكوميًا لحماية القيادات السياسية والعسكرية من المساءلة".
القضاة الثلاثة — دافيد مينتس، ألكس شطاين، ويحيئيل كشر — كتبوا في قرارهم أن "لا خلاف على أهمية إقامة لجنة تحقيق رسمية تمتلك صلاحيات واسعة لتحديد الاستنتاجات والتوصيات بشأن كل ما يتعلق بأحداث السابع من أكتوبر"، وهو ما اعتُبر صفعة قانونية جديدة لحكومة نتنياهو التي تماطل منذ عامين في فتح هذا الملف الحساس.
انقسام داخلي واتهامات متبادلة
تزامن قرار المحكمة مع تصاعد الغضب الشعبي والاحتجاجات في الشوارع الإسرائيلية، حيث تتّهم المعارضة اليمينية واليسارية على حدّ سواء حكومة نتنياهو بالتستّر على الحقائق، ورفض فتح تحقيق رسمي خشية سقوط رؤوس كبيرة في الجيش والموساد والشاباك.
الشارع الإسرائيلي، بحسب محلّلين، يعيش اليوم "انقسامًا داخليًا غير مسبوق" بين من يرى في السابع من أكتوبر فشلًا مؤسسيًا شاملًا، ومن يعتبره نتيجة "كارثة وطنية لا يمكن تحميل مسؤوليتها لقيادة بعينها".
ويذهب محللون آخرون إلى أن التحقيق الحقيقي سيضع قادة سياسيين كبار، وعلى رأسهم نتنياهو، أمام مساءلة قانونية وشعبية مباشرة، خصوصًا مع تسريب تقارير من داخل المؤسسة الأمنية تتحدث عن تجاهل تحذيرات استخباراتية قبل الهجوم بأيام.
السابع من أكتوبر كجرح مفتوح
ومنذ وقوع عملية "طوفان الأقصى"، يعيش الكيان الإسرائيلي حالة صدمة استراتيجية لم تتعافَ منها مؤسساته الأمنية ولا السياسية.
فبينما تحاول الحكومة الإسرائيلية تسويق "انتصارات لاحقة" في غزة، تبقى ذكرى السابع من أكتوبر كجرح مفتوح يُذكّر الإسرائيليين بالعجز الكامل أمام عملية عسكرية غير مسبوقة قلبت معادلة الردع رأسًا على عقب.
المؤرخ الإسرائيلي أوري بار يوسف كتب مؤخرًا أن ما جرى "ليس فشلًا في الرصد أو الاستجابة، بل انهيار شامل في منظومة التفكير الأمني التي بنتها إسرائيل طوال سبعين عامًا"، مضيفًا أن "الأزمة الحالية تشكّل أخطر تهديد وجودي منذ تأسيس الدولة".
وما بين اعتراف الجيش وضغط القضاء واحتجاج الشارع، تجد "إسرائيل" نفسها أمام مفترق طريق وجودي: فإما مواجهة الحقيقة عبر تحقيق رسمي يطيح بالقيادات المتورطة، أو استمرار سياسة الإنكار التي تهدّد بانهيار الثقة العامة.