في تطور لافت على الساحة الدولية، ناقش كبار المسؤولين الماليين في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، إلى جانب لجنة التنمية وقيادات أممية، التحديات المستقبلية المتعلقة بإعادة إعمار قطاع غزة بعد حرب مدمّرة استمرت عامين، خلّفت عشرات الآلاف من الشهداء وملايين النازحين، ودمارًا شبه كامل في البنية التحتية.
وقال مسؤولون في البنك الدولي إنهم يستعدون، بالتعاون مع الأمم المتحدة والجهات الإقليمية، لوضع خطة شاملة لإعادة إعمار القطاع، مع تقديرات جديدة تصل إلى 70 مليار دولار، وهي الأعلى منذ بدء الحرب.
نقاش دولي حول "ما بعد الحرب"
وجاءت هذه النقاشات خلال اجتماع لجنة التنمية الوزارية التابعة للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بحضور مديرة منظمة التجارة العالمية نجوزي أوكونجو إيويالا، التي أوضحت أن الاجتماع ركّز على "التحديات المرتبطة بمرحلة إعادة الإعمار في غزة"، وعلى شكل العملية المرتقبة التي ستتطلب تنسيقًا واسعًا بين الأطراف الدولية والإقليمية.
وأضافت إيويالا: "نقدّر بشدة وقف إطلاق النار وتوقف أعمال القتل، وعودة الأسرى إلى ديارهم، وحصول الفلسطينيين على الغذاء. نأمل أن تكون هذه بداية طريق نحو السلام وإعادة الحياة إلى طبيعتها."
الأنقاض تعيق الطريق
وبحسب ما نقلته رويترز عن مسؤولين أمميين، فإن البنك الدولي والأمم المتحدة يعكفان حاليًا على استكمال تقدير جديد لحجم الأضرار في غزة، بعد أن تجاوزت التكلفة الأولية التي أُعلنت في فبراير الماضي (50 مليار دولار)، لتصل الآن إلى 70 مليار دولار.
ويشير هذا الرقم إلى عمق الكارثة التي لحقت بالقطاع، حيث تتحدث الأمم المتحدة عن أكثر من 61 مليون طن من الأنقاض تحتاج إلى الإزالة قبل الشروع في أي عملية بناء.
وقال القائم بأعمال مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هاوليانغ شو إن الظروف ما زالت غير مواتية لإطلاق عملية الإعمار: "السؤال ليس فقط من أين نبدأ، بل كيف نبدأ. يجب أن تكون الظروف السياسية والإنسانية مناسبة، وأن يتم إطلاق سراح الرهائن والجثامين. كما أن توفير المأوى أصبح مسألة عاجلة قبل قدوم الشتاء."
عقبات ميدانية أمام المساعدات
ورغم وقف إطلاق النار، فإن المساعدات ما زالت تواجه صعوبات كبيرة في الوصول إلى شمال غزة، بسبب تدمير الطرق وإغلاق المعابر.
وقال برنامج الأغذية العالمي إن نحو 560 طنًا فقط من المساعدات الغذائية تدخل غزة يوميًا منذ سريان الهدنة، وهو رقم "أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب" لتغطية احتياجات السكان الذين يعانون من الجوع والمجاعة.
تحرك دولي بطيء وغزة تنتظر
وأكدت إيويالا أن لجنة التنمية تبحث في "الشكل الذي قد تتخذه عملية إعادة الإعمار"، في حين عبّر مسؤولو البنك الدولي عن استعدادهم للتعاون مع السكان المحليين والجهات الإقليمية والدولية المعنية.
وقالت: "نريد تقديم المساعدة، ونتمنى أن يكون هذا بداية طريق نحو التعافي. لكننا ندرك أن عودة الحياة إلى طبيعتها في غزة ستحتاج إلى وقت طويل وجهود مشتركة."
ويجري حالياً إعداد مؤتمر دولي لإعادة إعمار غزة، لكن موعد انعقاده لم يُحدد بعد، في انتظار تهيئة الظروف الأمنية والسياسية المناسبة.
ويبدو أن العالم، بعد عامين من الدمار، بدأ يدرك حجم المأساة في غزة، غير أن الطريق إلى الإعمار ما زال مليئًا بالعقبات، في ظل استمرار الحصار، وغياب الضمانات السياسية، وتعقيدات المشهد الإنساني.
وفيما تقدر الأمم المتحدة تكلفة إعادة البناء بـ70 مليار دولار، تبقى الكلفة الحقيقية — كما يصفها أحد مسؤولي الإغاثة — "ليست في الأموال، بل في الأرواح التي فقدت، وفي الزمن الذي يحتاجه الفلسطينيون لاستعادة معنى الحياة."