لقد حرّرت غزة العالم، بهذه العبارة يبدأ الكاتب نور الدين العلوي مقاله في "عربي21"، مؤكدًا أن ما جرى في القطاع لم يكن مجرد مواجهة عسكرية بين مقاومة محاصرة وجيش محتل، بل كان لحظة كونية كشفت زيف النظام العالمي وهيمنة الصهيونية على القرار والإعلام الغربي، وأطلقت في المقابل حركة تحرر عالمية جديدة بدأت من الشوارع الأوروبية والأميركية.
ويرى العلوي أن غزة الصغيرة، التي صمدت تحت القصف والجوع، أهدت البشرية معنى جديدًا للحرية بعد أن كانت شوارع الغرب منشغلة بقضايا سطحية وهويات مصطنعة.
غير أن هذه الحرية ما زالت هشة، وتحتاج إلى عقل كوني متحرر يدفعها إلى سقوف أوسع، وإلى وعي عربي قادر على التقاط هذه الموجة لا الاكتفاء بمشاهدتها من خلف الشاشات.
ويستعيد الكاتب نقاشاته مع باحثين غربيين، ليؤكد أن الشعوب الغربية ليست غافلة عن الفساد العميق الذي أصاب ديمقراطياتها تحت نفوذ الصهيونية.
فالمثقفون والأكاديميون الذين كانوا يخشون حتى ذكر فلسطين في قاعات الجامعات صاروا اليوم يهتفون باسمها في الميادين.
مأساة غزة أيقظت فيهم شعورًا إنسانيًا غاضبًا من الظلم، لكنها أيضًا فجّرت رغبة دفينة في التحرر من هيمنة اللوبيات الصهيونية التي تصادر حرية الرأي والبحث.
من هنا تجاوزت المظاهرات الأوروبية حدود التعاطف مع الفلسطينيين لتتحول إلى حركة مساءلة داخلية تطالب بقطع العلاقات ومحاسبة الحكومات الداعمة للاحتلال، وهو تحول يرى فيه الكاتب ميلادًا جديدًا للضمير الغربي.
ويذهب العلوي إلى أن غزة لم تُعد القضية الفلسطينية إلى مركز العالم فحسب، بل أعادت العالم إلى نفسه، وعرّت أكذوبة القيم الغربية التي تبرر القتل حين يكون الضحية عربيا أو مسلما.
هذا التحول، برأيه، يمهد لمرحلة من التحرر الكوني يمكن أن تعيد كتابة تاريخ القرن العشرين، بعدما فرض الصهاينة روايتهم على العالم منذ الحرب العالمية الثانية.
فاعتراف كثير من الإعلاميين والساسة الغربيين بالإبادة الجماعية في غزة ليس حدثًا عابرًا، بل مقدمة لانهيار السردية الصهيونية ذاتها.
لكن الكاتب لا يخفي مرارته من الموقف العربي، إذ يرى أن الأنظمة العربية كانت ولا تزال الحارس السياسي للمشروع الصهيوني في المنطقة، وأنها وجدت في خدمته سبب وجودها واستمرارها.
فهي مستعدة لحرق شعوبها وقمعها حفاظًا على رضا النظام الدولي المتصهين. وكل حاكم أو ملك عربي لا يقترب من الحكم إلا بعد أن يرسل إشارات الطاعة لتلك السردية.
لذلك، بينما خرجت شوارع الغرب ترفع علم فلسطين، بقي الشارع العربي صامتًا مكبلاً بخوفه، يكتفي بمراقبة الآخرين وهم يهتفون لغزة، وهذا العجز لا يبرئ الشعوب، كما يقول العلوي، بل يكشف مسؤوليتها في خذلانها لنفسها قبل خذلانها لغزة.
في هذا السياق يطرح الكاتب سؤالًا مؤلمًا: كيف يمكن تحويل موجة الحرية في الغرب إلى طاقة تغيّر الواقع العربي؟ كيف يمكن الاستفادة من حراك الشوارع الغربية لتفجير العجز الشعبي والنخبوي في العالم العربي؟ ثم يجيب بأن ذلك لن يتحقق ما لم تتصالح النخب العربية مع ذاتها، وتكف عن شيطنة تيارات الإسلام السياسي التي تمثل مكونًا أصيلًا من المشهد الوطني.
فغزة في نظر من خربوا الربيع العربي ليست سوى “حماس”، وحماس هي “الإخوان”، والإخوان هم “الخطر الوجودي” الذي يجب القضاء عليه.
هذه السلسلة الفكرية المريضة جعلت كثيرًا من النخب العربية تعادي المقاومة بدل أن تراها تجسيدًا لإرادة الحرية.
ويرى العلوي أن تجاوز هذه العقدة شرط لأي تشبيك عربي مع حركة التحرر العالمية.
فالعالم اليوم يفتح ذراعيه للحرية، بينما تعيش النخب العربية في إنكارها القديم، تخاف من شعوبها وتخشى التغيير.
من يتطلع إلى مستقبل حرّ عليه أن يبدأ بمصالحة داخلية حقيقية، وأن يعترف بحق الجميع في الوجود والمشاركة، لأن من يقصي شركاءه في الوطن لن يكون قادرًا على مخاطبة العالم بلغة الحرية.
ويستشهد الكاتب بمحاولات رمزية للتواصل بين العرب وحركات التضامن الدولية، مثل “أسطول الصمود” و”أسطول الحرية”، التي اعتبرها مؤشرات على تجاوز الانقسام الأيديولوجي في سبيل هدف إنساني مشترك.
ويختم العلوي مقاله برسالة موجّهة إلى المثقفين العرب والغربيين معًا: آن الأوان لبناء جبهة كونية ضد الصهيونية العالمية وضد الأنظمة التي تخدمها، جبهة توحّد المضطهدين في كل مكان.
لكن هذه الرسالة لن تُسمع إن خرجت من شعوب نائمة تنتظر الآخرين ليقاتلوا عنها.
فالعالم سيتغير فقط حين تنهض الشوارع العربية كما نهضت شوارع الغرب.. وإذا لم نفعل، سنبقى كما يقول الكاتب “الثعلب الجبان الذي ينتظر صيد الأسد ليأكل فضلاته”.
وأخيرا، فإن غزة، التي حرّرت العالم من خوفه، ما زالت تنتظر أن يحرّرها جيرانها من خذلانهم.