رغم توقيع اتفاق التهدئة برعاية الرئيس الأمريكي "ترامب" في أكتوبر 2025 بين المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة "حماس" والاحتلال (الإسرائيلي)، يظل قطاع غزة يغرق في خروقات الاحتلال المتكررة.
فيشهد قطاع غزة قصفًا مباشرًا، ومنع وصول المساعدات، وفرض قيود على حركة المواطنين في المناطق الشرقية على طول حدود قطاع غزة، في خرقٍ واضحٍ لاتفاق وقف إطلاق النار الموقَّع.
الاتفاق الذي كان يُفترض أن يحفظ الهدوء ويوقف حرب الإبادة على الفلسطينيين لم يتحقق، ما يزيد المعاناة اليومية للسكان، ويكشف هشاشة الالتزام (الإسرائيلي) بالاتفاقات واستمرار خرقها، على غرار ما يحدث في لبنان.
وقبل يومين، أعلن جيش الاحتلال اغتيال ناشط من حركة الجهاد الإسلامي بقصفٍ جوي استهدف مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، وتُعد هذه المرة الأولى التي يعلن فيها استهداف عناصر من المقاومة الفلسطينية منذ عودة سريان التهدئة حيّز التنفيذ، بعد الغارات العنيفة التي شنها الجيش على قطاع غزة الأحد الماضي، وأسفرت عن استشهاد عشرات الشهداء، في أكبر خرقٍ لاتفاق وقف الحرب المبرم في التاسع من الشهر الجاري.
اختبار دموي لهدنة ترامب!
ويرى المحلل السياسي وسام عفيفة أن الضربة الجوية التي نفذها جيش الاحتلال على النصيرات وسط قطاع غزة تمثل اختبارًا دمويًا لهدنة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ويشير عفيفة في حديثٍ لـ"الرسالة"، إلى أن الإعلان الرسمي عن استهداف عنصر من حركة الجهاد الإسلامي لم يأتِ بمعزل عن توقيت الحدث وسياقه؛ إذ تتجاوز الرواية العسكرية "التهديد الفوري" لتكشف عن رسالة ميدانية واضحة، وهي اختبار حدود الهدنة التي ترعاها إدارة ترامب.
وينوّه إلى أن الاحتلال يسعى من خلال هذه العملية إلى فرض ما يسميه "النموذج اللبناني" في غزة، حيث تتحوّل الهدنة إلى آلية تُبقي يد الاحتلال على الزناد، وتحوّل الهدوء الظاهري إلى غطاءٍ لعمليات تصفيةٍ محسوبة.
ويؤكد المحلل السياسي أنه في هذا الإطار، تصبح الهدنة ليست اختبارًا للسكينة، بل امتحانًا للإرادات، حيث تُقاس مدى قدرة الأطراف على الصمود أمام ابتزاز الاحتلال العسكري والسياسي.
وارتكب الاحتلال منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إبادة جماعية أسفرت عن استشهاد 68 ألفًا و519 فلسطينيًا، فضلًا عن أكثر من 170 ألف جريح، معظمهم من الأطفال والنساء، بالإضافة إلى تدمير نحو 90% من البنى التحتية المدنية.
رسائل الاحتلال من اختراق التهدئة!
فيما يرى المحلل السياسي سليمان بشارات أن توقيت الخروقات (الإسرائيلية)، وآخرها اغتيال أحد كوادر الجهاد الإسلامي في غزة، يخدم هدفًا رسائليًا، ويُرسّخ رواية الردع داخليًا وخارجيًا أكثر من كونه ضرورة عسكرية عاجلة.
ويشير بشارات في حديثٍ لـ"الرسالة" إلى أن هذا النوع من العمليات يُستخدم لاختبار ردّ الفعل الفلسطيني والإقليمي، وللفحص السياسي لدى الرعاة الدوليين، في رسالةٍ لاختبار ثبات الهدنة.
ويلفت إلى أن الاحتلال يسعى إلى نقل "النموذج اللبناني"، والمقصود به هدنةٌ تُبقي مستويات التصعيد محدودة، لكن مع إبقاء الحق في تنفيذ عمليات استهداف فردية، لفرض قيود على عمل الفصائل وخلق رهابٍ متواصل.
ويؤكد المحلل بشارات أن المقاومة تقرأ المصالح والمعطيات الميدانية، فإذا كان الهدوء يُترجَم إلى ضغطٍ مستمر واغتيالاتٍ متقطعة، فستعتبره تراجعًا عن شروط وقف العدوان، مشيرًا إلى أن لدى المقاومة آليات ردع قد تُنفَّذ بشكلٍ متدرجٍ ومُحسوب لتفادي انزلاقٍ كامل لاتفاق وقف إطلاق النار.
كما يرى المحلل السياسي، أن مصر وقطر لديهما مصلحة أساسية في استمرار الهدنة واستقرار ملف التهدئة، لكن قبول الخروقات يقلل من مصداقية الوساطة ويجعل دورهما أكثر صعوبة، إذ سيُدين كلا الوسيطين الخروقات شريطة أن تكون هناك آليات واضحة لمواجهة التكرار.
ومنذ وقف إطلاق النار (11 أكتوبر 2025)، بلغ إجمالي الشهداء في قطاع غزة 93 شهيدًا، وإجمالي الإصابات 337 مصابًا بخروقات (إسرائيلية) متواصلة.
فرغم جهود الوساطة الإقليمية التي قادتها مصر وقطر وتركيا، جاء التصعيد (الإسرائيلي) ليطرح تساؤلات حول جدوى هذه الوساطات، ويؤكد أن الاحتلال ينظر إلى اتفاقات التهدئة كأدواتٍ تكتيكية، لا التزاماتٍ سياسية أو قانونية.
فكثافة الغارات وطبيعة الأهداف المدنية توحي بأن الأمر يتجاوز الرد على خروقات المقاومة، وتُوجّه رسالة واضحة للفصائل مفادها أن (إسرائيل) مستعدة لاختراق أي تهدئة متى شاءت، لمصالحها الأمنية والسياسية.
وأخيرًا، فإن ما جرى في غزة اليوم ليس خرقًا عابرًا، بل مؤشرًا على هشاشة الاتفاقات، حيث تتحوّل الهدنة في منظور الاحتلال إلى إدارة وتيرة العدوان، بينما صمت الوسطاء يزيد شعور الفلسطينيين باستباحة دمائهم.
أما فصائل المقاومة فتجد نفسها أمام تحدٍّ مزدوج؛ الحفاظ على ضبط النفس لحين ترتيب الردود، وفي الوقت ذاته الاستعداد لمواجهة استمرار القصف وارتفاع عدد الشهداء، ودون محاسبة الاحتلال والضغط عليه دوليا، ستظل كل اتفاقات التهدئة المستقبلية مجرد "هدنٍ مفخخة" يدفع ثمنها الفلسطينيون في غزة.