العائدون إلى ركام غزة.. بداية جديدة من الصفر

متابعة_الرسالة نت

مع فجرٍ رماديٍّ في منتصف أكتوبر بدأت الخطى الأولى بالتحرك على طريق صلاح الدين الطويل، عائلات فلسطينية تحمل أطفالها وأكياسًا كبيرة من الملابس، تمشي نحو الشمال. لم يكن المشهد عاديًا، بل كأنه مسيرة نحو الذاكرة، نحو ما تبقّى من البيوت والذكريات.

 

أكثر من نصف مليون نازح – وفق تقارير الأمم المتحدة – قرروا العودة من جنوب القطاع إلى شماله، بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ.

خلال أسبوع واحد فقط، 565 ألف إنسان سلكوا طريق العودة، بينما قدّر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن 300 ألف شخص عادوا في اليوم الأول وحده، مشهد هو الأضخم منذ اندلاع الحرب قبل عامين.

 

الطريق الساحلي “الرشيد” بدا كأنه شريان حياة مفتوح.

النساء يجررن عربات صغيرة فوق الرمال، والرجال يحملون على أكتافهم أبوابًا مكسورة التقطوها من بين الركام، يظنون أن بإمكانها أن تصبح جدارًا جديدًا لبيت سيولد من العدم.

الأطفال يسيرون حفاة، يتبادلون زجاجات الماء القليلة، وبعضهم يضحك كلما لمح علمًا فلسطينيًا مرفوعًا فوق ركام بيت، كأن الأعلام تحرس الذاكرة من النسيان.

 

حين يصل العائدون إلى شمال غزة، لا يجدون سوى فراغ واسعٍ من الدمار.

أحياء الشيخ رضوان والسدرة والشاطئ بلا ملامح، والهواء مشبع برائحة الإسمنت المطحون، لكنهم لا يتوقفون، بل ينصبون الخيام فوق الأراضي التي كانت بيوتًا.

ينظفون بقايا الزجاج من الزوايا التي كانت مطابخهم وغرف نوم أطفالهم.

وفي المساء، يشعلون النار، يغلي الشاي فوق الحصى، وتعلو من بين الخيام أحاديث خافتة عن الغد، عن البناء، عن “البدء من الصفر”.

 

تقدّر المنظمات الإنسانية أن 80% من البنية التحتية قد دُمّرت: لا ماء ولا كهرباء ولا صرف صحي.

ورغم ذلك، يقول أحد العائدين وهو يرفع حجراً من مكان بيته المهدّم:

 

 “هذه أول لبنة في الإعمار. نحن لا ننتظر أحدًا ليعيدنا، نحن عدنا.”

في المخيمات المؤقتة، يتقاسم الناس الطعام القليل، ويبتكر الأطفال ألعابًا من الحديد المحترق، ويزرع البعض شتلات صغيرة في علب بلاستيكية أمام خيامهم، كأنها وعدٌ بأن الحياة يمكن أن تنبت من الخراب.

 

العودة ليست نهاية الحرب، بل بدايتها الجديدة:

حرب من أجل الحياة، من أجل الضوء، من أجل أن يبقى صوت غزة حيًا مهما هدموا جدرانها.

 

وفي المساء، حين تغيب الشمس خلف الركام، تضيء نار صغيرة أمام خيمة نصبت على أنقاض بيتٍ في شارع النصر.

يجلس حولها العائدون يحتسون الشاي، ويتحدثون عن الغد، عن الإعمار، عن حلمٍ واحدٍ مشترك: أن تنهض غزة من جديد، مهما طال الخراب.