في لقطة مسربة جديدة من بين الركام في غزة، يظهر رجل فلسطيني كبير السن، نصف عارٍ ويداه مكبلتان خلف ظهره، في مشهد يجسد مزيجًا من الذل والخوف دون أي معلومات عن مكان تواجده وهل هو بين المعتقلين أم الشهداء.
هذه الصورة ليست الأولى من نوعها، فهي تأتي ضمن سلسلة طويلة من التوثيقات المأساوية للاختفاء القسري في غزة، حيث يستخدم الاحتلال المفقودين كدروع بشرية ويحولهم إلى رهائن في حرب الإبادة على القطاع.
وهذه اللقطات تضع أمام العالم مأساة ملف المفقودين، وتكشف حجم الانتهاكات الصامتة التي تتعرض لها المدينة وأهلها.
الاختفاء القسري
وقال مدير المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، إن استمرار فقدان المئات من أبناء القطاع الذين خرجوا بحثًا عن الطعام أو الماء أو المأوى ولم يعودوا، يمثل جرحًا إنسانيًا عميقًا وجريمة قانونية لا يمكن السكوت عنها. وأضاف أن بعض المفقودين تَبيَّن وجودهم لدى قوات الاحتلال، ما يكشف عن وقائع إخفاء قسري ممنهج ضد المدنيين، مؤكدًا أن ما يحدث ليس حوادث فردية، بل سياسة متعمدة ضمن منظومة الإبادة المستمرة التي تمارسها (إسرائيل) بحق سكان القطاع. وأوضح أن كثيرين خرجوا من مناطقهم مدفوعين بالجوع والخوف، فكان مصيرهم القتل أو الاعتقال دون أثر أو معلومة، بينما لا يزال مصير عدد كبير منهم مجهولًا تمامًا، في ظل حرمان العائلات من معرفة مصير أبنائها، وهو ما يشكّل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني.
الأرقام تحكي
وراء كل رقم حكاية، ووراء كل اسم غائب عائلة تموت يوميًا من الانتظار. تشير تقارير الأمم المتحدة إلى نحو أربعة آلاف شخص فُقدوا منذ أكتوبر 2023، وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن أكثر من ثمانية آلاف وسبعمئة حالة اختفاء أُبلغ عنها رسميًا، بينهم نساء وأطفال. بينما تقدّر منظمة "أنقذوا الأطفال" أن هناك واحدًا وعشرين ألف طفلًا مفقودًا، بعضهم تحت الأنقاض أو في أماكن احتجاز مجهولة.
أما الحكومة في غزة، فتؤكد أن من يعودون إلى عائلاتهم لا يتجاوزون واحدًا من كل مئة مفقود.
كل هذه الأرقام تصب في حقيقة واحدة: عشرات الآلاف من البشر ابتلعتهم الحرب بصمتٍ، ولم تعُد الأرض تُجيب عن مصيرهم.
بين القانون والحرب
الإخفاء القسري، كما يعرّفه القانون الدولي، هو اعتقال أو اختطاف شخص من قبل جهة رسمية يتبعه رفض الاعتراف بحرمانه من الحرية أو إخفاء مصيره، ويُصنَّف كجريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم. لكن ما يجري في غزة أبعد من النصوص القانونية، فالإخفاء لا يأتي فقط بالاعتقال، بل بالدفن الجماعي، أو بالتهجير دون أثر، أو بإبقاء الجثامين تحت الأنقاض دون تصريح أو سماح بالبحث.
تقرير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وصف ما يجري في غزة بأنه نمط واسع من الاختفاءات القسرية التي لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف، داعيًا الاحتلال إلى الكشف عن أماكن المحتجزين والمفقودين فورًا وتمكين الصليب الأحمر من الوصول إليهم. لكن الاحتلال يواصل سياسة التعتيم ومنع المنظمات من دخول المناطق الشمالية، مما يجعل توثيق الأسماء والمواقع مهمة شبه مستحيلة ويترك آلاف العائلات في عتمة الانتظار.
مطالب إنسانية عاجلة
الجهات الحكومية والإنسانية في غزة تطالب بفتح ممرات إنسانية فورية للوصول إلى المواقع والمقابر والمعتقلات، وتمكين الصليب الأحمر وفرق الإنقاذ من تفتيش الأنقاض دون قيود، وإنشاء قاعدة بيانات وطنية للمفقودين وتحديثها بشكل دوري، ومحاسبة الاحتلال دوليًا على جريمة الإخفاء القسري، إضافة إلى توفير الدعم النفسي والقانوني لعائلات المفقودين؛ وحتى تلك الجثث التي سلمها الاحتلال كانت دون أسماء أو بيانات ودفنت دون التعرف على هوية أصحابها.
الصورة التي بدأنا منها ليست مشهدًا عابرًا، بل مرآة لحياةٍ أُطفئت ببطء. في كل بيت في غزة، كرسيٌّ فارغ ونافذة لا تُغلق خوفًا من أن يطرقها الغائب.
تلك ليست أرقامًا في تقارير، بل قلوب معلّقة في المجهول، تنتظر صوتًا، جثمانًا، أو حتى كلمة "رحل" كي ينتهي الانتظار. ففي غزة، لا يموت الناس مرة واحدة، بل مرتين: إحداها بالقصف، وأخرى بالغياب الذي لا يُعرف له نهاية.