معركة الوعي في وجه زحف البلادة: هل تنسى الشعوب دماء غزة بهذه السرعة؟

الرسالة نت- متابعة

كتب يحيى مصطفى كامل مقالًا لافتًا بعنوان “المقاومة بين إرادة التحرر وزحف البلادة”، تناول فيه ظاهرة تراجع الاهتمام الشعبي العربي بالقضية الفلسطينية بعد أن خفت صوت المدافع في غزة، محذرًا من أخطر ما يهدد المقاومة اليوم: نسيان الشعوب، وتبلد الوعي الجمعي.
يؤكد الكاتب في مقاله المنشور على موقع عربي21 أن المدافع لم تصمت حقًا، وأن الجراح لا تزال تنزف، غير أن الناس يتصرفون كما لو أنهم خرجوا من دار عرضٍ شاهدوا فيها فيلمًا دمويًا، تأثروا به للحظات، ثم نسوه عند أول مشهدٍ ترفيهي على الشاشات.

من الصدمة إلى الخمول

ويرى كامل أن من الطبيعي أن يخف الصخب بعد المذبحة، وأن ينشغل الناس بلملمة جراحهم وحساب خسائرهم، فهذا جزء من دورة الألم الإنساني.
لكن غير الطبيعي — كما يقول — هو أن “ينصرف الناس تمامًا عن الكارثة، وكأنها حدثت في بلدٍ بعيدٍ لا يعنيهم”.
ويصف المشهد العربي الراهن بأنه انكفاءٌ على الداخل، وهروبٌ جماعي من الذاكرة، وكأن الشعوب “تشاهد حرب غزة كما تُشاهد مباراة أو مسلسلًا، ثم تطوي صفحته حين ينتهي العرض”.

الإعلام وصناعة النسيان

يُرجع الكاتب هذا الانصراف إلى دور الإعلام العربي الرسمي الذي يمتلك — على حدّ تعبيره — “قدرة مذهلة على إغراق القضايا المصيرية في بحر البلادة”.
فما إن تتوقف الغارات حتى تُغمر الشاشات بمسلسلات ومباريات كرة قدم، وأخبار زواج وطلاق الفنانين، ومعارك التفاهة اليومية التي تُغرق العقول في اللغو وتُميت الحس الوطني.
ويشير كامل إلى أن ما يجري ليس عفويًا، بل هو تدبير مقصود هدفه طمس آثار الجريمة، وصرف الأنظار عن مسؤولية الأنظمة المتواطئة في حرب الإبادة على غزة.

الحقيقة التي تحاول البلادة دفنها

ويذكّر الكاتب أن محرقة غزة الأخيرة أيقظت — ولو مؤقتًا — الوعي العربي، وأكدت من جديد أن الكيان الصهيوني مشروع عدواني توسعي لا يعرف لغة السلام، وأن كل محاولات “التعايش” معه لا تعني سوى الاستسلام.
ويقول في مقاله: “إنه مشروع نهب، وقلعة متقدمة لمخطط استعماري، فمن أين يأتيه السلام؟ لا يقبل سوى بالاستسلام.”

ويرى أن السابع من أكتوبر لم يكن مجرد حادثة عسكرية، بل زلزالًا سياسيًا وأخلاقيًا زعزع ركائز النظام الإقليمي الذي بناه الغرب، وأجبره على إعادة النظر في “توازناته” التي ارتكزت على تهميش المقاومة واحتواء شعوب المنطقة.

لماذا توقفت الحرب؟

يذهب الكاتب إلى أن قرار وقف الحرب لم يكن رحمة بالفلسطينيين، بل خوفًا من الشعوب العربية التي كاد غضبها ينفجر في وجه أنظمتها.
فاستمرار الحرب — كما يوضح — كان سيعرّي “الدور المنحط” الذي تلعبه الحكومات الغربية والعربية على السواء، ويهدد بانفجارات داخلية قد تطيح بعروش أو تفتح الباب لانقلابات غير محسوبة.
ولذلك — بحسب تحليله — سعت تلك الأنظمة إلى إطفاء النار المشتعلة ببحرٍ من البلادة الإعلامية، وإطلاق حملات تشكيك في المقاومة وقادتها ودوافعها، وصولًا إلى إفسادهم بالعروض السياسية والمالية.

ويستحضر كامل مثالًا ساخرًا من الأيام الأخيرة، حين ضجّت مواقع التواصل بصور لمشاهير مصريين في ملابس فرعونية احتفالًا بالمتحف المصري الجديد، بينما ما زالت دماء غزة ساخنة.
ويعلّق الكاتب بحسرة: “كأن حربًا مدمّرة لم تزل جذوتها مشتعلة”، ليخلص إلى أن الأنظمة أتقنت تحويل الوعي الجمعي إلى مسرح عبثٍ سطحي، ينسى المذابح ويُشغل الناس بالرموز الجوفاء والجدالات التافهة.

السلاح الأخير للمقاومة

وفي ختام مقاله، يطلق يحيى مصطفى كامل نداءً حادًا للكتّاب والناشطين والمثقفين: “بعد أن تصمت المدافع، علينا أن نبقي صوت الرصاص في آذان الناس، ورائحة البارود في أنوفهم، ومنظر الدم في عيونهم ووعيهم. فكل ما دون ذلك خيانة للدم.”

ويحذر من أن معركة الوعي ليست سهلة، فهي حرب الإرادة ضد زحف البلادة، تتطلب شجاعة المثقفين في مواجهة التزييف، وتستلزم وعي الشعوب بأن النسيان أخطر من الاحتلال.
ويختم قائلًا إن التحرر لا يأتي منحةً أو صدفةً، بل “يحتاج إلى وعيٍ مستنفرٍ وإرادةٍ حقيقيةٍ ترفض التنويم الإعلامي الذي تفرضه الأنظمة المتواطئة.”

ويضع مقال يحيى مصطفى كامل إصبعه على الجرح الحقيقي بعد حرب غزة: ليس فقط الاحتلال، بل ذاكرة الشعوب التي يُراد لها أن تُصاب بالشلل.
فالمعركة اليوم لم تعد في الميدان وحده، بل في العقول والشاشات والضمائر.
وإذا ما انتصرت البلادة، فستُهزم المقاومة مرتين — مرةً بالسلاح، ومرةً بالنسيان.
أما إذا انتصر الوعي، فستبقى دماء غزة حية في الذاكرة، توقظ إرادة التحرر من تحت الركام، وتفضح كل من تواطأ على الحق العربي الفلسطيني.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من سياسي