العائدون من الثلاجات.. جثامين لشهداء بأطرافٍ مكبلة وبطون محشوة بالقطن

رشافرحات_ الرسالة نت

في المشهد البارد من نهارٍ فلسطينيٍّ موجوع، تُفتح أبواب الشاحنات العسكرية الإسرائيلية، فتخرج منها جثامين ملفوفة بأكياسٍ سوداء، كأنها أسرارٌ مظلمة تحاول أن تخفي ما اقترفته الأيدي.

يقف الأطباء الفلسطينيون في صمتٍ متوتر، يقترب أحدهم بيدٍ مرتجفة، يرفع الغطاء عن وجهٍ تكسوه كدماتٌ أرجوانية، وعن عنقٍ يحمل آثار حبلٍ أو قيدٍ معدنيٍّ غاص في اللحم حتى النزف.

على الرسغين بقايا صدأٍ من أصفادٍ لم تُفتح، وعلى الصدر علاماتُ حروقٍ حديثة، كأن النار نفسها استُخدمت لتعذيب الجسد حتى آخر أنفاسه.

 

ثلاثون شهيدًا سلّمهم الاحتلال ظهر يوم الجمعة؛ كانوا بالأمس القريب ثلاثين أسيرًا تحوّلوا إلى جثامين جرّاء التعذيب المتواصل.

ترتفع شهقاتُ الأمهات حين يتعرّفن على أبنائهنّ من بقايا الثياب أو شامةٍ صغيرةٍ قرب العين. لا دموع تكفي لوصف هذا الألم، ولا صراخ يُبلّغ عمق الجريمة.

هؤلاء الشهداء لم يُقتلوا في ساحة قتال، بل في زنازين الموت التي تحوّلت إلى غرف إعدامٍ سرّية.

 

وفي المشهد ذاته، يتحدث مدير عام وزارة الصحة في غزة، الطبيب منير البرش، بصوتٍ متعبٍ كأنه يخرج من جوفِ الصدمة:

"الجثامين الثلاثون التي استلمناها أمس الجمعة هي الأصعب بين جميع الدفعات التي أُفرج عنها. معظمها لم يعد سوى عظامٍ هشة، وعددٌ منها بلا ملامحٍ على الإطلاق، كأنها ذابت من فرط التعذيب والدفن في الرمال. لقد عُذِّب الشهداء وأُعدموا، ثم نُبِشوا من القبور وأُعيدوا إلى الثلاجات لتُسلَّم أجسادهم الباهتة إلينا، أجسادٌ فقدت ملامحها كما فُقدت أسماء كثيرة قبلهم."

 

يُصغي الحاضرون لكلماته، فيما العيون تتابع تلك الأكياس السوداء الممدودة على الأرض.

يتابع الطبيب: "بعض الملابس والأحذية ما زالت باقية، وقد تساعد الأهالي في التعرّف على أحبّتهم. لكن الجثامين مهتكة، تحمل آثار الرصاص، والدهس، والتنكيل. وسنتّبع الإجراءات ذاتها كما فعلنا من قبل، مع منح العائلات فرصة الوداع الأخير. حتى الآن تعرّف ذوو 75 شهيدًا فقط من أصل 255 جثمانًا استلمناها منذ وقف إطلاق النار، فيما دُفن 120 شهيدًا مجهول الهوية."

 

في الخلفية، يطلّ وجهُ بن غفير على شاشة هاتفٍ بابتسامةٍ متعجرفة، يعلّق قائلاً: «هكذا نعاملهم، وبقي علينا فقط إعدامهم». يرددها ببرودٍ قاتل، بينما على الأرض ذاتها يُمدّ الأسرى مكبّلين، يفترشون التراب كأنهم صفحةٌ أخرى من تاريخٍ لا ينتهي من الإهانة.

 

أجسادٌ أُعيدت بلا أرواح، وقلوبٌ عادت بلا نبضٍ من شدّة الفقد. ما يجري ليس فقط انتهاكًا للإنسان، بل محاولةٌ لطمس معنى الكرامة نفسها. حتى بعد موتهم، لا يكتفي الاحتلال بإطفاء أنفاسهم، بل يحتجز أجسادهم في ثلاجاتٍ أو يدفنهم بأرقامٍ بلا أسماء، كأن الفلسطيني لا يستحق اسمًا حتى وهو جثة.

يتحدث مدير مستشفى التحرير في مجمع ناصر الطبي، الدكتور أحمد الفرا، عن تفاصيلٍ تقشعرّ لها الأبدان: جثامين الشهداء التي يعيدها الاحتلال إلى غزة تعرف هويتها سلطات الاحتلال جيدًا، لكنها تمتنع عن الإفصاح عنها، تاركة العائلات في دوامة انتظارٍ موجعة بين الأمل واليأس.

 

يقول الفرا إن من بين كل سبعة جثامين يُسلَّم واحد فقط يمكن التعرف عليه، بينما تبقى الستة الأخرى مغطاة بظلال التحلل أو التشويه، لا تعرف ملامحها إلا من ترك على جسده علامة مميزة أو ندبة أملٍ قديم.

 

ويضيف أن معظم الجثامين تغيرت ملامحها بالكامل بفعل الزمن والتحلل، وبعضها تحمل آثار تعذيبٍ مروّع، كأنها روايات من العذاب لا تحتاج إلى كلمات. فقد شوهدت على بعضها علامات حروقٍ ناتجة عن قضبانٍ حديديةٍ ساخنة، وآثار واضحة تشير إلى تعذيب شديد قبل الوفاة.

 

الأشدّ فداحة، كما يؤكد الفرا، أن بعض الجثامين تعود فارغة من الداخل، محشوة بالقطن، في إشارةٍ صادمة إلى سرقة أعضاء الشهداء، وهي جريمة تضاف إلى سجل الاحتلال الملطخ بالانتهاكات.

 

وفي نهاية المشهد، يبقى النداء الفلسطيني وحيدًا لكنه واضح:

نريد لجنةَ تحقيقٍ دولية، نريد عدلًا يليق بدمٍ لم يجف بعد، نريد أن تُقال الحقيقة في وجه القتلة، وأن تُكتب هذه المأساة كما هي — جريمةٌ معلنة في وضح العالم، لا تُخفى تحت أكياسٍ سوداء ولا بياناتٍ باردة.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من قصص صحفية