في مقالٍ قويٍّ للكاتبة والصحفية لميس أندوني تحت عنوان “شيطنة المقاومة الفلسطينية... لوم الضحية”، تسلّط الضوء على الحملة الإعلامية والسياسية التي اشتدّت بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار في غزة حيّز التنفيذ، موجَّهةً ضد المقاومة الفلسطينية— وتحديدًا حركة حماس — بذريعة أنها أضعفت العالم العربي وسبّبت الخراب.
تصف أندوني في مقالها على موقع العربي الجديد هذه الحملة بأنها أخطر أشكال “لوم الضحية”، إذ تسعى إلى تبرئة الاحتلال، وتجريم المقاومة، وتهيئة الرأي العام العربي لتقبّل التطبيع باعتباره "الخيار العقلاني الوحيد".
النخب الخنوعة
وتقول أندوني إن أخطر ما في المشهد ليس خطاب العدو، بل تواطؤ النخب العربية التي تسوّق روايته تحت عناوين “الواقعية” و“العقلانية”.
فبعد طوفان الأقصى، لم تتوقف آلة الإعلام عن استهداف المقاومة، بذريعة أنها “تسببت بالدمار” أو “أعاقت مسار الازدهار والسلام”، وكأن فلسطين كانت في نعيم قبل السابع من أكتوبر.
تلك النخب — كما تصفها — تتحدث بلسان الغرب، وتتبنى منطقه الاستعماري الذي يختزل الصراع في “حكمة القبول بالأمر الواقع”. وهي تروج لفكرةٍ خطيرة: أن بقاء الفلسطينيين تحت السيطرة الإسرائيلية “عقلاني”، وأن رفضهم احتلال أرضهم “تهور وانتحار سياسي”.
صورة فاضحة لعصر الانحطاط
وتنتقد الكاتبة بشدة ما تسميه “الانفصال الأخلاقي للنخب العربية”، مستعرضة مشهدًا رمزيًا وقع في بيروت: حفل استقبال مبالغ فيه للمبعوثة الأمريكية مورغان أورتاغوس، المعروفة بمواقفها الصهيونية العدوانية.
تقول أندوني إن هذا الحفل لم يكن مجرد استقبالٍ دبلوماسي، بل “طقس إذلال جماعي”، عكست فيه النخب العربية دونيةً حضاريةً أمام المستعمر، واحتفت بمن يمثل دولة تقتل الفلسطينيين وتدعم العدوان على غزة.
وتصف المشهد بأنه “احتفال بالهزيمة”، حيث يتقاطع الترف الفارغ مع الخضوع السياسي والأخلاقي، مشيرة إلى أن تلك الطبقة التي ترتدي الفساتين البراقة “تحتفي بالتطبيع” بينما تُدفن جثث الفلسطينيين تحت الركام.
كسر عالم النسيان
وتقول الكاتبة إن هذه النخب لا تغفر لطوفان الأقصى أنه أيقظ الضمائر وأعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة بعد أن كانت على وشك أن تُدفن في النسيان.
قبل السابع من أكتوبر، كان مسار التطبيع يتسارع، والمهرجانات الغنائية والحفلات الترفيهية ملأت المشهد العربي، حتى كادت فلسطين تغيب من الوعي الجماعي.
لكن عملية طوفان الأقصى قلبت الطاولة، وأجبرت الجميع على مواجهة الحقيقة: أن الاحتلال لا يريد سلامًا، وأن المقاومة — رغم تضحياتها الهائلة — هي السبيل الوحيد لحفظ الكرامة والحقوق.
لهذا السبب، كما تكتب أندوني، تحاول الأنظمة والإعلام شيطنة المقاومة لأنها هزّت استقرارهم النفسي والسياسي، وذكّرتهم بأن الاستسلام لا يجلب سلامًا بل هيمنة.
سلاح لتبرير الاستعمار
وتشرح الكاتبة أن التيار التطبيعي يستخدم “لوم الضحية” أداةً نفسيةً لقمع الفكر الحر، ولإقناع الناس أن المجرم هو الفلسطيني، والمقاوم هو سبب المأساة.
وتكتب: “ما تمارسه إسرائيل من إبادة هو الدليل على ضرورة الخضوع لها، وكأن قصف المدنيين وتدمير المدن يبرّر التسليم بالقوة لا مقاومتها.”
وتعتبر أندوني أن هذا المنطق أشد انحطاطًا من الاحتلال نفسه، لأنه يبرر الجريمة باسم “العقلانية”، ويمسح الحدود بين القاتل والمقتول، وبين الجلاد والضحية.
جرائم في نظر الخانعين
وتُشير الكاتبة إلى أن التطبيع لا يرفض المقاومة المسلحة فقط، بل حتى أبسط أشكال المقاومة السلمية: من المقاطعة الاقتصادية إلى الحملات الحقوقية.
فهؤلاء يرون أن دعم فلسطين أو انتقاد "إسرائيل" “تخلّف سياسي”، وأن حملات المقاطعة “تشوّه صورة الحداثة”، بينما هم أنفسهم يتسامحون مع الاحتلال ويتزينون بخضوعهم له.
وتضيف أن المقرّرة الأممية فرانشيسكا ألبانيز، التي دافعت عن مشروعية المقاومة الفلسطينية وفق القانون الدولي، أصبحت منبوذة في عيون تلك النخب، لأن صوتها يذكّرهم بما يريدون نسيانه: أن المقاومة ليست جريمة، بل حقٌّ مشروع.
أخطر من أسلحة الاحتلال
وتختتم لميس أندوني مقالها بتأكيد أن شيطنة المقاومة وممارسة “لوم الضحية” لن تنقذ العالم العربي من الأطماع الإسرائيلية، بل ستجعله أكثر ضعفًا واستباحة.
وتكتب بوضوح: “لو كان هناك موقف عربي موحد أو أنظمة تمتلك إرادة حقيقية في الردع، لما انفجر الغضب في غزة. لكن القمع وكبت الحريات وإخماد الأصوات هو ما صنع الانفجار.”
وتخلص الكاتبة إلى أن النقد الحقيقي للمقاومة يبدأ بالاعتراف بحقها أولًا، وبأن من يخضع للمستعمر ويدين المقاوم يرتكب خيانة أخلاقية وإنسانية قبل أن تكون سياسية.
فممارسة “لوم الضحية”، تقول أندوني، ليست فقط سقوطًا في القيم، بل تواطؤ مباشر في مشروع تصفية القضية الفلسطينية.