بيت إكسا.. قرية فلسطينية تعيش عزلاً رقمياً جديداً 

قرية بيت إكسا
قرية بيت إكسا

متابعة_ الرسالة نت

في شمال غرب القدس، تتربع قرية بيت إكسا على تلةٍ تطل على مشهدٍ واسعٍ من القرى والوديان، لكنها في الحقيقة معزولة تمامًا خلف الجدار الإسمنتي الذي أحكم الاحتلال إغلاقه حولها منذ أكثر من عقدين. 

القرية الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها ثلاثة آلاف نسمة، كانت على الدوام هدفًا لمخططات التهجير الصامت، واليوم تدخل مرحلة جديدة من العزل، ليست عسكرية فقط كما في السابق، بل رقمية.

فقد فرضت سلطات الاحتلال مؤخرًا نظامًا جديدًا يوجب على كل من يبلغ السادسة عشرة من سكان القرية وما فوق حمل بطاقة ممغنطة وتصريح إلكتروني خاص، حتى يتمكن من الدخول أو الخروج من القرية عبر الحاجز الوحيد المؤدي إليها. 

هذا الإجراء الذي يقدَّم بغطاء “أمني” ليس إلا حلقة جديدة في سلسلة التضييقات الهادفة إلى إخضاع أهالي بيت إكسا وتحويل حياتهم إلى نظام مراقبة إلكتروني دائم، حيث تُربط أبسط تفاصيل الحياة بموافقة الاحتلال المسبقة.

تبدو القرية اليوم كأنها سجن مفتوح؛ فكل من أراد الوصول إلى مدرسته أو عمله في رام الله أو القدس يحتاج إلى تصريح جديد متجدد، وكل مركبة عامة أو خدمة طبية أو حتى شاحنة تحمل البضائع لا يسمح لها بالدخول إلا بتنسيق مسبق قد يستغرق أيامًا. 

هكذا تتعطل حياة الناس اليومية بين الانتظار والقلق، بينما يقف الجنود على الحاجز وهم يحملون أجهزة مسح إلكترونية يتعاملون بها مع السكان كما لو كانوا ملفاتٍ رقمية لا بشرًا من لحمٍ ودم.

يقول أحد سكان القرية: “لم نعد نعرف إن كنا نعيش في الضفة أم في القدس. نحن محاصرون من المستوطنات من كل الجهات، والجدار يعزلنا عن أقاربنا، والآن حتى بطاقتنا أصبحت بإذن الاحتلال.”

باحثون في شؤون القدس يؤكدون أن ما يجري في بيت إكسا هو نموذج مصغّر لسياسة إسرائيلية أشمل تهدف إلى إعادة هندسة الجغرافيا الديموغرافية في محيط القدس، عبر تفريغ القرى الفلسطينية تدريجيًا وتحويل سكانها إلى “مقيمين مؤقتين” داخل أرضهم.

 فبسبب البطاقات الممغنطة والتصاريح المتجددة، أصبحت السيادة على الوقت والحركة والهوية بيد الاحتلال وحده، في سياق سعيه لتوسيع المستوطنات المجاورة وربطها بالقدس الكبرى.

في بيت إكسا، لم يعد الجدار هو العازل الوحيد. هناك جدار آخر غير مرئي يرتفع كل يوم داخل تفاصيل الحياة ذاتها؛ جدارٌ من الإجراءات الرقمية والموافقات المسبقة، ينسج حول الفلسطينيين عزلاً صامتًا لا تُسمع فيه أصوات الرصاص، لكن تُخنق فيه الأنفاس ببطء.