تحت أنقاض رفح المدمرة، بات مصير عدد من المقاومين الفلسطينيين العالقين في أنفاق المدينة أحد أكثر الملفات حساسية بعد اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025. هذا الملف ليس مجرد قضية إنسانية أو عسكرية، بل يشكّل حلقة مركزية في الحسابات الاستراتيجية بين حركة حماس وإسرائيل، ويُنظر إليه على أنه مفتاح للمرحلة التالية من التفاهمات، خصوصًا بعد تسليم جثة الضابط الإسرائيلي هدار غولدن، الذي قد يشكّل بداية لفتح مسار آمن لتحريك ملف المقاومين العالقين.
من هم العالقون في أنفاق رفح؟
أكدت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، أن هؤلاء المقاومين هم من نخبة عناصرها الذين ظلوا محاصرين داخل أنفاق هجومية تقع تحت ما كان يعرف بالسيطرة الإسرائيلية في رفح، ضمن ما يُسمّى بـ"الخط الأصفر"، وهو الحد الذي انسحبت إليه القوات الإسرائيلية بموجب المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار.
وتقدر مصادر إسرائيلية عدد هؤلاء المقاتلين بين 150 و200 عنصر، بينما لم تعلن حماس أو القسام أرقامًا دقيقة، مراعاة للسرية العسكرية وحساسية العمليات داخل الأنفاق المدمرة.
كيف نشأت الأزمة؟
في 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل جندي احتياط في رفح، وهو ما اعتبرته تل أبيب خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار، واستخدمته ذريعة لتكثيف القصف على المدينة، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 100 فلسطيني وتدمير واسع للمنازل والبنية التحتية. وقد سبق هذا التصعيد حادث مماثل قبل عشرة أيام من القصف، حيث قتل جنديان إسرائيليان في رفح، لتبرير غارات إضافية.
وسط هذه الظروف، أصبح المقاومون العالقون جزءًا من لعبة ضغط متبادلة بين إسرائيل وحماس، حيث تحاول كل جهة استخدام الملف لتحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية، سواء على صعيد وقف إطلاق النار أو المفاوضات الدولية.
أبعاد القضية الإنسانية والاستراتيجية:
يبقى الوضع داخل الأنفاق هشًا للغاية، فالعناصر المحاصرون يواجهون تحديات متعددة تشمل نقص المعدات الطبية والطاقة والتأمين على سلامة الأنفاق بعد تدمير جزء كبير منها خلال الحرب. ويؤكد مسؤولون فلسطينيون أن أي عملية إخراج يجب أن تتم بحذر شديد لتجنب وقوع خسائر بشرية.
في المقابل، يمثل تسليم جثة الضابط الإسرائيلي هدار غولدن خطوة رمزية واستراتيجية في الوقت ذاته. فقد ساهم التسليم في تهدئة الأجواء السياسية داخل إسرائيل، وأظهر قدرة حماس على إدارة الملفات الدقيقة مع الحفاظ على ثقلها التفاوضي. ويشير محللون إلى أن هذا التسليم قد يلحّلح في ملف المقاومين العالقين، ويفتح الباب أمام ترتيبات مشابهة لإخراجهم بأمان ضمن تفاهمات مع الأطراف الدولية.
الضغوط الدولية والخلافات السياسية داخل إسرائيل:
تشير تقارير أميركية وإسرائيلية إلى أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمارس ضغوطًا متواصلة على الطرفين، إسرائيل وحماس، لإيجاد حل سريع للملف، بما يضمن استمرار وقف إطلاق النار واستقرار الأوضاع في القطاع. كما يشارك الصليب الأحمر الدولي في صياغة خطط للإخلاء التدريجي، مع مراعاة سلامة المقاومين ودرء المخاطر الناتجة عن انهيار الأنفاق والمباني المحيطة.
تلعب الخلافات الداخلية في الحكومة الإسرائيلية، خصوصًا بين اليمين المتطرف والأحزاب الحريدية، دورًا غير مباشر في الملف، إذ أن أي خطوة تجاه المقاتلين العالقين ترتبط أيضًا بضغط سياسي داخلي، وضرورة الموازنة بين مطالب المتطرفين وضغوط المجتمع الدولي.
ويمثل ملف المقاومين العالقين في رفح اختبارًا لقدرة حماس على إدارة الملفات الحساسة بعد الحرب. فهو يجمع بين الأبعاد العسكرية، السياسية، والإنسانية، ويعكس أهمية عنصر النفوذ الرمزي في تسليم جثث الجنود الإسرائيليين. فكما أظهر ملف غولدن، يمكن لحركة حماس تحويل خطوات رمزية إلى أدوات ضغط استراتيجية، تتيح لها تحقيق مكاسب سياسية وأمنية مع الحفاظ على خطوطها الدفاعية.
كما أن حل ملف العالقين بشكل آمن يرسل رسالة مهمة للداخل الفلسطيني والعالمي حول قدرة المقاومة على حماية عناصرها وإدارة الأزمات الإنسانية، في ظل بيئة شديدة التعقيد والمراقبة الدولية.
واقعيا، قضية المقاومين العالقين في أنفاق رفح ليست مجرد ملف إنساني أو عسكري، بل عنصر محوري في استقرار القطاع بعد الحرب، وترتبط بشكل مباشر بالقدرة على إدارة ملفات حساسة مثل تسليم جثث الجنود الإسرائيليين، وتوضح أن حماس قادرة على توظيف الضغوط السياسية والاستراتيجية لصالح ملف المقاومة، مع مراعاة سلامة العناصر، وهو ما يعكس خبرة عالية في إدارة التوازن بين الحرب والسلام، بين المقاومة والمفاوضات، وبين الضغط العسكري والدبلوماسي.