فرحٌ ممزوجٌ بالألم.. طلاب غزة يتحدّون الحرب ويصنعون نجاحهم تحت النار

الرسالة نت - خاص

بين ركام البيوت وذاكرة النزوح والدماء، ارتسمت صباح اليوم ابتسامة مختلفة على وجوه طلاب الثانوية العامة في قطاع غزة، الذين خاضوا امتحاناتهم وسط حرب إبادة (إسرائيلية) طاحنة. 

لم تكن الأسئلة مجرد اختبار للعلم والمنهج الدراسي، بل كانت معركة صمودٍ في وجه التهجير والجوع والموت، ليكتب الطلاب قصتهم بمداد الإرادة والتحدي.

في الوقت الذي كانت فيه الطائرات تُمطر الأحياء بالقنابل، كان آلاف الطلبة الغزيين يتهيأون لخوض امتحان مصيري سيحدد مستقبلهم، فامتحنوا في الخيام، وتبادلوا الكتب تحت أصوات الانفجارات، وناموا على أرض النزوح يحملون حلم التفوق الذي لم يُغادر قلوبهم رغم كل الفقد والوجع.

وفي حي الشيخ رضوان تحديدًا، كان المشهد أكثر قسوة ودهشة في آنٍ واحد، فطلاب الحي خاضوا امتحاناتهم بعد أسبوعين فقط من إعلان الاحتلال عن عملية عسكرية شرسة في شمال القطاع، دمّر خلالها البيوت والمساجد وأعدم العائلات، واضطر هؤلاء الطلاب وأسرهم إلى النزوح جنوبًا، دون أن يحملوا شيئًا من منازلهم سوى كتبٍ مبلّلة بالرماد وذاكرة مثقلة بالخوف. 

ومع ذلك، واصلوا الدراسة في مراكز الإيواء وسط ضجيج الحرب وضيق الوقت، لكن عزيمتهم كانت أقوى من أن تُقهر، صمدوا، ودرسوا، وتقدّموا للاختبارات بعزيمةٍ جعلت فرحتهم اليوم رسالة واضحة، بأن "الإصرار على الحياة هو أعظم انتصارٍ على آلة الموت".

الطالب محمد نوفل، أحد أبناء حي الشيخ رضوان شمال غزة، اختار أن يحتفل بنجاحه على ركام منزله الذي دمّره الاحتلال، وكأنه أراد أن يقول: "من بين الدمار تولد الحياة، ومن تحت الركام تزهر الإرادة".

فقد حصل الطالب محمد على معدل 81% في الثانوية العامة فرع "الأدبي"، بعد رحلةٍ مليئة بالألم والتحدي، بدأت بين أزقة الحيّ المدمّر وانتهت بابتسامةٍ نصرٍ رغم كلّ شيء.

يقول نوفل في حديثه لـ"الرسالة": "قبل عشرة أيام فقط من بدء الاختبارات كنت أستعد وأراجع دروسي بجدّ، لكنّ توغّل الاحتلال في حيّنا واشتداد القصف أجبرنا على النزوح جنوبًا، خرجنا بلا شيء، منهكين ومتعبين من القصف والدمار، وهناك في دير البلح حاولت أن أرتّب دروسي من جديد، وأراجع ما تبقّى من المواد رغم كل الإرهاق والضغوط".

ويضيف الطالب محمد: "لم تكن الدراسة سهلة على الإطلاق، لم يكن لدي إنترنت ولا شاحن للهاتف الذي كنت أستخدمه للإضاءة أثناء المذاكرة في الخيمة، لكنّي تغلّبت على كلّ تلك الصعوبات، كنت أخرج أحيانًا أبحث عن مكان فيه إنترنت لأتمكّن من متابعة الاختبارات، بينما القصف والطائرات لا تفارق سماءنا وصوت الموت يحيط بنا من كلّ جانب".

ويتابع الطالب نوفل بصوتٍ يملؤه الإصرار: "رغم كلّ ما مررنا به، استطعت أن أكمل مسيرتي التعليمية وأصل إلى هدفي، وأريد أن أُكمل دراستي الجامعية لأبني مستقبلي وأخدم وطني، فنحن شعب لا يعرف الاستسلام، وكل نجاحٍ نحققه هو صفعة في وجه الاحتلال الذي أراد لنا الانكسار".

أما الطالبة فرح العرابيد من الفرع العلمي، والحاصلة على معدل 72% في الثانوية العامة، فلم يكن وضعها بعيدًا عمّا عاشه طلبة غزة، وخصوصًا في شمال القطاع.

فقد حاول الاحتلال حرمانها من مواصلة دراستها، بعدما أطلقت دبابة (إسرائيلية) قذيفة مدفعية على منزل عائلتها في حي الشيخ رضوان قبل ثلاثة أشهر، لتلتهم النيران كتبها وملخّصاتها التي أعدّتها على مدار عامٍ كامل من الجدّ والمثابرة.

لكن الطالبة فرح لم تستسلم، بل أعادت بناء حلمها من جديد، وواصلت دراستها رغم كل ما فقدته.

وتروي لـ"الرسالة":"قبل عشرة أيام من موعد الاختبارات، اشتدّ القصف وتزايدت الضربات، واضطررنا للنزوح قسرًا نحو جنوب غزة، ورغم التعب والخوف الذي يلاحقنا، كنت متمسكة بدراستي ولم أتخلَّ عنها".

وتضيف: "هاتفي الذي كنت سأقدّم من خلاله الاختبارات تحطّم أثناء النزوح، لكنني لم أستسلم؛ استعرت هاتف شقيقي لأكمل المسيرة، وبدأت أراجع دروسي قبل يومين فقط من الامتحانات رغم كل الصعوبات".

وتكمل بلهجةٍ يغلب عليها الصمود وسط الركام والألم: "تمكّنا من تقديم الاختبارات رغم افتقارنا لأبسط مقومات الدراسة النفسية والمادية، لكن طموحي بتحقيق حلمي كان دافعي الأول، ولن أسمح للظروف أن تنتصر على إرادتي".

وتختم الطالبة فرح رسالتها بكلماتٍ تعبّر عن روح التحدي والإصرار: "سنتحدى الاحتلال ونكمل مسيرتنا العلمية حتى نخدم بلدنا وأبناء شعبنا في قطاع غزة الذي عانى من ويلات الحرب والنزوح والتشريد، فالعلم هو سلاحنا في وجه الظلم، وطريقنا لبناء مستقبلٍ أفضل لوطننا".

ورغم ما شهده حي الشيخ رضوان من قصفٍ ودمارٍ ونزوحٍ متكرر، فإن صباح إعلان نتائج الثانوية العامة حمل معه ملامح فرحٍ غابت طويلًا عن الحي، فقد عمّت أصوات التكبير والزغاريد أزقّته المكلومة، وارتفعت رايات النجاح في بيوتٍ كانت قبل أسابيع مسرحًا للحزن والخوف.

عائلات الطلبة هناك لم تُخفِ دموعها وهي تحتضن أبناءها الناجحين، فكانت الفرحة ممزوجة بالفخر والصبر. يقول أحد الأهالي: "هذه الفرحة انتصار صغير على الحرب، ورسالة بأننا رغم الدمار باقون، وسنواصل الحياة والتعليم لأجل مستقبل أبنائنا".

وأعلنت وزارة التربية والتعليم العالي، صباح يوم الخميس، نتائج امتحان الثانوية العامة لطلبة قطاع غزة - مواليد 2007، حيث تقدم للامتحان حوالي 30 ألف طالب وطالبة من مختلف مديريات القطاع.

وأعلن وزير التربية والتعليم العالي أمجد برهم، حصول الطلبة العشرة الأوائل في الفرعين العلمي والأدبي وأوائل بقية الفروع على منحة دراسية كما كان مع إعلان نتائج الثانوية العامة كل عام.

ولفت برهم، إلى أنه مع نهاية العدوان أعلنت نتائج مواليد 2006، لنحو 26 ألف طالب، واليوم يعلن نتائج 30 ألف طالب من مواليد 2007.

وقال، إنه مع الإعلان عن نتائج الثانوية العامة لمواليد عام 2007، فإن 56 ألف طالب أصبحوا مؤهلين للالتحاق بالجامعات، لافتا إلى أن مواليد عام 2008 سيقدمون امتحانات الثانوية العامة مع نهاية العام الجاري، كما أن الدورة الثالثة من الامتحان لطلبة غزة خارج الوطن تنطلق في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، مؤكدا الالتزام بعقد دورة جديدة من امتحان التوجيهي لمن لم يتقدم من توجيهي 2006، و2007، والدراسة الخاصة، وأن الإعلان عن ذلك سيكون خلال الفترة القليلة المقبلة.