في مساء خريفي مثقل برائحة البارود، دوّى الانفجار في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، ساعات قليلة قبل أن يُعلن حزب الله واحدًا من أكبر بيانات النعي في تاريخه الحديث: استشهاد القائد الجهادي الكبير هيثم علي الطبطبائي، المعروف بالسيد أبو علي، إثر غارة إسرائيلية استهدفت منطقة حارة حريك، في عملية اعتبرها الحزب “عدوانًا غادرًا” يفتح أبواب مرحلة أكثر تعقيدًا في الصراع المفتوح منذ عقود.
لم يكن اسم هيثم الطبطبائي جديدًا على قاموس المقاومة اللبنانية، لكنه ظلّ بعيدًا عن العلن لسنوات طويلة، يتحرّك بين الجبهات، ويقود المحاور، ويؤسس للأجنحة الأكثر سرية وفاعلية.
ولد الطبطبائي في الباشورة عام 1968، والتحق بالمقاومة الإسلامية منذ نشأتها، ليخوض عشرات العمليات النوعية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي وعملائه في جنوب لبنان، قبل التحرير عام 2000. كان من أبرز قادة محوري النبطية ثم الخيام، وقاد مواجهات شرسة خلال عدوان عام 2006.
بعد استشهاد القائد عماد مغنية، أوكلت إليه مهام حسّاسة في تأسيس وتطوير قوة الرضوان، ومع توسيع ساحات المواجهة، أصبح من قادة محور المقاومة في الإقليم وعلى مستوى التخطيط العملياتي الرفيع.
وتحوّل الطبطبائي خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز العقول العسكرية في المقاومة، حيث شارك في إدارة عمليات “طوفان الأقصى”، ثم تولّى القيادة العسكرية العليا للمقاومة الإسلامية بعد معركة “أولي البأس”.
الغارة الإسرائيلية التي طالت الطبطبائي، حسب مراقبين، تُعدّ من أوسع عمليات الاغتيال تأثيرًا منذ استشهاد مغنية.
اختيار الضاحية الجنوبية، القلب السياسي والعسكري لحزب الله، لم يكن مجرد رسالة قوة، بل محاولة لإحداث صدمة في قيادة المقاومة وإرباك خطوط التواصل العملياتي.
لكن البيان الرسمي لحزب الله جاء نقيضًا لما أرادته “إسرائيل”: لغة فخر، إصرار، وتأكيد على أن دماء القائد ستتحول إلى قوة دفع جديدة في المواجهة.
في بيان النعي، أشار الحزب إلى أن القائد الشهيد “لم يعرف الكلل ولا الملل”، وأنه أفنى حياته في طريق المقاومة، ووضع اللبنات الأساسية التي جعلت منها قوة قادرة على “صنع الانتصارات”.
وأكد الحزب أن دماء الطبطبائي ستكون حافزًا لإكمال المواجهة مع “العدو الصهيوني وراعيته الولايات المتحدة”، معلنًا بوضوح أن الاغتيال لن يبدّل شيئًا من معادلة الردع أو من مسار المقاومة.
من غزة، خرجت فصائل المقاومة الفلسطينية ببيانات نعي تكشف أهمية الرجل في دعم المقاومة الفلسطينية.
واعتبرته كتائب القسام من كبار القادة الذين أسهموا في إسناد الشعب الفلسطيني، وأشادت بدوره خلال “طوفان الأقصى”.
فيما وصفته سرايا القدس بأنه أحد أعمدة دعم المقاومة الفلسطينية، وتعهدت بمواصلة “طريق القدس – طريق الشهداء”.
من جهتها، قدمت ألوية الناصر صلاح الدين بيانًا مطولًا أشادت فيه بتاريخ الشهيد ودوره في مساندة المقاومة الفلسطينية على مدار السنوات، محذّرة من أن الاغتيال “لن يمر دون ثمن”.
هذه البيانات لم تكن مجرد مجاملة سياسية؛ بل تؤكد أن الطبطبائي كان حلقة مركزية في الربط العملياتي بين فصائل المقاومة من لبنان إلى غزة.
ويرى محللون أن اغتيال الطبطبائي يندرج ضمن سياسة إسرائيلية تهدف إلى إحداث “فراغ قيادي” في صفوف حزب الله ومحور المقاومة. لكن التجربة التاريخية، كما يقول مراقبون في بيروت، تشير إلى أن عمليات الاغتيال غالبًا ما كانت تُنتج نتيجة معاكسة: مزيدًا من التماسك، وتصاعدًا في ردود الفعل الميدانية.
ويرى آخرون أن استهداف شخصية بوزن الطبطبائي داخل الضاحية الجنوبية قد يدفع حزب الله إلى توسيع قواعد الاشتباك، وربما إدخال نوعيات جديدة من الأسلحة أو العمليات، خصوصًا في ظل اشتعال الجبهات في فلسطين ولبنان والبحر الأحمر.
وما يجعل الاغتيال أكثر خطورة هو أن الطبطبائي لم يكن مجرد قائد ميداني، بل عقل استراتيجي ساهم في صياغة بنية القوة الأكثر تطورًا في حزب الله، وشارك في تأسيس تشكيلات أصبحت اليوم حجر الأساس في أي مواجهة مع إسرائيل.
وقد تولى خلال السنوات الأخيرة مسؤوليات تعتبر من “المقامات العليا” في هرم القيادة العسكرية، وصولًا إلى موقع “القيادة العسكرية العليا” بعد معركة “أولي البأس”.
اغتيال شخصية بهذا الوزن، في توقيت الحرارة الإقليمية المرتفعة أصلاً، يطرح سؤالًا مركزيًا:
هل أرادت "إسرائيل" توجيه ضربة نوعية، أم دفع لبنان نحو مواجهة شاملة؟
مصادر سياسية لبنانية ترى أن الاغتيال لا يمكن فصله عن التطورات في غزة، وعن السعي الإسرائيلي لإعادة رسم قواعد اللعبة بعد إخفاقات كبيرة في جبهات الجنوب والداخل.
بينما يرى آخرون أن المقاومة ستختار “الرد المحسوب” ضمن سياق استراتيجي طويل لا يسمح بتغيير الإيقاع المفروض على الحدود منذ عام.
برحيله، يفقد محور المقاومة أحد أهم قادته العسكريين في العقدين الأخيرين. لكن المواقف الأولى من حزب الله وفصائل غزة تؤكد أن اغتياله لن يكون نهاية فصل، بل بداية أخرى.
فالرجل الذي أمضى حياته في الجبهات، من شبعا إلى الخيام، ومن الحدود الشرقية إلى غزة، يبدو أن دمه سيكون عنصرًا حاسمًا في موازين الصراع المقبلة.