"دمى تتحوّل إلى فخاخ قاتلة".. مخلفات الحرب تنصب شِراك الموت للأطفال في غزة

"دمى تتحوّل إلى فخاخ قاتلة".. مخلفات الحرب تنصب شِراك الموت للأطفال في غزة
"دمى تتحوّل إلى فخاخ قاتلة".. مخلفات الحرب تنصب شِراك الموت للأطفال في غزة

الرسالة نت- متابعة خاصة

بين ركام البيوت المدمّرة وشوارع فقدت ملامحها، تتحوّل غزة بعد عامين من الحرب إلى مساحة مليئة بالشِراك القاتلة التي تحصد أرواح الأطفال بلا إنذار. فالمخلّفات العسكرية غير المنفجرة لم تعد مجرد قذائف وصواريخ مهجورة، بل أصبحت أجسامًا قد تحمل أشكالًا مألوفة تحاكي فضول الصغار، ومنها دمى وبقايا ألعاب محرقة أو صناديق صغيرة يختلط ظاهرها البريء بباطن شديد الفتك.

الدفاع المدني في غزة يحذّر من “كمية هائلة ومخيفة” من مخلفات الحرب التي تختزنها الأحياء السكنية اليوم، وهو ما كشف عنه محمود بصل المتحدث باسم الدفاع المدني، مؤكّدًا أن الأسابيع الأخيرة شهدت إصابات خطيرة بين الأطفال نتيجة تماس مباشر مع أجسام لم يدركوا خطورتها، بعضها أدى إلى وفاة أطفال أثناء اللعب أو محاولة تحريك “شيء غريب” وسط الركام.

يقول بصل إن أخطر ما يواجهه سكان غزة — خصوصًا الأطفال — هو أن المتفجرات لم تعد واضحة الملامح كما في الحروب السابقة. فكثير من الذخائر غير المنفجرة تأتي بأشكال صغيرة، بعضها ملون أو يشبه أجزاءً من لعبة أو جهاز إلكتروني، ما يجعل الطفل يرى فيها شيئًا “مثيرًا للاهتمام”، بينما هي في الحقيقة فخّ قاتل زرعته الحرب في قلب منازلهم السابقة.

ويضيف:"المشهد أكبر من قدرة أي مواطن على استيعابه… هذه ليست قذائف ملقاة في الشوارع فقط، بل متفجرات كامنة داخل الأحياء، داخل البيوت، وقد يؤدي أي لمس أو حركة خاطئة إلى انفجار يقتل من في محيطه".

هذه الحالة تتكرر في مدينة غزة وشمال القطاع بشكل خاص — حيث كانت العمليات العسكرية الأعنف — إذ إن العديد من المباني استُهدفت بصاروخين: أحدهما ينفجر فورًا والآخر يبقى خاملاً داخل الجدران أو بين الأنقاض، ينتظر من يقترب منه.

أطفال وسط الركام… وغياب أي حماية

تضاعف خطورة هذه الأجسام بسبب الظروف المعيشية الصعبة؛ فالأطفال اليوم يعيشون وسط الركام نفسه، بعدما فقدت آلاف العائلات منازلها ولم تجد بدائل آمنة.
ويؤكّد بصل في حديث مع "الرسالة نت" أن حماية الأطفال في هذا الواقع شبه مستحيلة:"من غياب البيوت إلى انتشار الركام، كل ذلك يجعل الطفل أقرب للاقتراب من جسم خطِر دون أن ينتبه أحد".

ووفق شهادات ميدانية، يظهر الأطفال في المناطق المتضررة وهم يبحثون بين الأنقاض عن ألعابهم القديمة، أو عن أي شيء يصلح للاستخدام، ليقعوا على أجسام عسكرية أو دمى محروقة قد تحتوي بداخلها على شحنة متفجرة غير منفجرة.

وفي بعض الحالات، يعثر الأطفال على "دمى" أو أجسام بلاستيكية ملقاة بجوار منازلهم، يلتقطونها بدافع الحنين أو الفضول، دون أن يعرفوا أنها ربما كانت ملاصقة لصاروخ أو قذيفة انشطارية.

أرقام مرعبة: سبعون مليون طن ركام… وعشرون ألف جسم قاتل

بحسب مكتب الإعلام الحكومي في غزة، يملأ القطاع اليوم ما يقارب 70 مليون طن من الركام، إلى جانب 20 ألف جسم لم ينفجر من مخلفات الحرب. وهي كمية غير مسبوقة تتطلب — بحسب المكتب — معالجة هندسية وأمنية دقيقة قبل البدء الفعلي بأي عملية إعادة إعمار.

هذه الكمية تجعل غزة واحدة من أكثر مناطق العالم خطورة بالنسبة للأطفال، إذ تختلط بقايا لعبهم المحطمة بقطع من القنابل والصواريخ التي لم تنفجر، أو التي انفجرت جزئيًا فبقي جزء منها نشطًا وقاتلًا.

ويدعو الدفاع المدني الأهالي إلى الامتناع تمامًا عن لمس أي جسم مجهول مهما بدا عاديًا أو غير مؤذٍ، مع التأكيد أن البيئة الحالية في غزة “خطِرة ومعقدة”، وأن أي خطأ قد يكون ثمنه حياة طفل أو أكثر.

لكن هذا النداء، رغم ضرورته، لا يبدو كافيًا في ظل الحياة القاسية داخل المخيمات ووسط الأنقاض، حيث يجد الأطفال أنفسهم محاطين بقطع مجهولة لا يمكن التمييز بينها وبين لعبهم المحببة التي دفنتها الحرب.

وتحوّلت الحرب إلى "مصنع" لشراك صامتة تركتها في كل زاوية، وصار كل جسم صغير — لعبة كانت أم قطعة حديد — محل شك وخوف. وفي ظل غياب الجهود الدولية الفعّالة لإزالة هذه المخلفات، يبقى أطفال غزة هم الضحية الأولى، يمشون فوق أرض مشبعة بالقنابل التي لا يظهر عليها أنها قنابل.

هكذا، تستمر الحرب في قتل الأطفال حتى بعد توقف القصف، عبر دمى وأجسام صغيرة تتحول إلى فخاخ موت تسرق ما تبقى من طفولتهم.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير