في غزة اليوم، لا يبقى من بيوت الأمان سوى أشباح من حجارة مهدَّدة بالسقوط.. عشرات الآلاف من العائلات تعيش على شفا الانهيار: بين شقوق جدرانها وتصدّعات أسقفها، تسكن المخاطر، ويسكن الناس لأنهم لا يملكون مكانًا آخر.
تقول البيانات الأممية إن نحو 436 ألف وحدة سكنية تضرّرت بفعل الحرب، كثير منها أصبح غير صالح للسكن. وتقدّر الأمم المتحدة حجم الأنقاض بما بين 41 و47 مليون طن، وهي كتلة هائلة لا تُثقِل الأرض فحسب، بل تُثقِل حياة الناس الذين يحاولون النجاة تحتها أو فوقها.
يحذّر أحد مسؤولي الدفاع المدني: «نحو 50% من المباني المتضررة قد تنهار في أي لحظة».
لكن النازحين يعودون إليها رغم ذلك؛ لأن الخيام لا تمنح دفئًا ولا كرامة، ولأن شبح البرد والجوع أشد وطأة من شبح السقوط.
في مخيم جباليا، صعدت سيدة إلى سطح منزلها المتهدم مع طفلتها الصغيرة، تحاول أن تمنحها قليلًا من الشمس والحياة. فجأة، انهار جزء من الحائط، فسقطت الطفلة من الطابق الثاني.
ضجيج الإسمنت المتساقط، صرخة الأم، والركض بين الأنقاض، كلها تفاصيل تروي مأساة مبانٍ لم تعد بيوتًا، بل فخاخًا صامتة.
الخبراء في غزة يؤكدون أن كثيرًا من الأبنية المتبقية لم تعد مجرد متصدعة، بل ميتة واقفة، يمكن أن تنهار مع أول مطر، أو أول هزة، أو حتى مرور شاحنة ثقيلة في الشارع.
الشتاء القادم لا يحمل المطر وحده، بل خطر انزلاق طوابق كاملة على من بقي يسكنها.
وفي ظل غياب إعادة إعمار حقيقية، تقول المصادر الرسمية إن إعادة البناء قد تستغرق سنوات طويلة، ليس فقط لغياب التمويل، بل لأن إزالة هذا الكم من الأنقاض مهمة شاقة تفوق إمكانات مدينة محاصرة ومُنهكة.
هكذا تعيش غزة اليوم: مدينة تسكنها بيوت مُشروخة، وأحلام مُصدّعة، وأطفال يلعبون فوق أطلال قد تسقط فوق رؤوسهم في أي لحظة. مدينة تحاول النجاة من حرب لم تنتهِ بعد — لأن دمارها ما زال حيًّا.
في غزة، لا يختبئ الخوف في الليل وحده؛ بل يقف في وضح النهار، على هيئة جدار مائل، أو سقف منهك، أو باب يرتجف كلما مرّت الرياح.