اقتصاد غزة على حافة العدم.. حرب محَت 69 عامًا من التنمية

الرسالة نت - متابعة

حذّرت الأمم المتحدة من انهيار شامل يضرب الاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة، نتيجة حرب استمرت عامين وخلّفت دمارًا يمحو أثر عقود من البناء الاجتماعي والاقتصادي.

تقرير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، الصادر الثلاثاء، قدّم صورة قاتمة عن واقع غزة، مؤكدًا أن القطاع دخل مرحلة تُشبه “الدمار الكامل”، وأن آثار الحرب تجاوزت حدود الخسائر المادية لتطال أساس الحياة ذاته.

أبرز ما جاء في التقرير الأممي أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي تراجع إلى مستوى عام 2003، في انهيار يعادل خسارة 22 عامًا من التنمية، فيما أشارت مقررة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في فلسطين، فرانشيسكا ألبانيزي، إلى أن الحرب "محت 69 عامًا من التنمية البشرية" من بنية المجتمع الفلسطيني، من نظام صحي وتعليمي ومؤسسات مالية وحتى البنية التحتية الأساسية.

وبحسب أونكتاد، فإن اقتصاد غزة انكمش بنسبة 87% خلال عامي 2023 و2024، وهو مستوى لم تُسجله أي منطقة في العالم منذ الستينيات، ليهبط نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى 161 دولارًا فقط—واحد من أدنى المعدلات عالميًا.

"هذه ليست حربًا.. إنها إبادة اقتصادية". بهذه الكلمات لخّصت ألبانيزي الوضع، مؤكدة أن ما وقع "ليس مجرد حرب، بل عملية مُمنهجة لتفكيك قدرة مجتمع كامل على البقاء".

دمار شامل للبنية التحتية وأركان البقاء
التقرير الأممي وصف دمار غزة بأنه الأوسع منذ الحرب العالمية الثانية على مستوى المساحة والنسبة السكانية المتضررة. فالركائز الأساسية للبقاء التي ذكرها التقرير—الغذاء، المأوى، الرعاية الصحية، المياه، الطاقة—تعرضت لانهيار شبه تام.

وشملت الخسائر:
-    تدمير آلاف المصانع وورش الإنتاج.
-    انهيار شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي.
-    توقف النظام المصرفي بالكامل لعدة أشهر.
-    تفجير أو إغلاق مئات المنشآت الصحية والتعليمية.
-    انهيار القدرة الشرائية للسكان إلى الصفر تقريبًا.
-    تدمير مخزونات الأمن الغذائي.

وبحسب الأمم المتحدة، فإن غزة اليوم غير قادرة على توفير الحد الأدنى من شروط الحياة البشرية، وأن المجاعة المعلنة في بعض مناطق القطاع تُعد تحذيرًا لما هو أشد سوءًا.

اقتصاد يعتمد بالكامل على الدعم الخارجي
وحذّر التقرير من أن حجم الدمار يجعل غزة معتمدة اعتمادًا كاملًا على الدعم الدولي المكثف، وأن عملية التعافي قد تمتد إلى عقود طويلة.

وتقدّر الأمم المتحدة أن المرحلة الأولى وحدها من إعادة الإعمار تتطلب أكثر من 70 مليار دولار، دون احتساب الخسائر غير المنظورة كفقدان رأس المال البشري، تدمير الخبرات، أو النزيف الاجتماعي الواسع.

وأشارت أونكتاد إلى أن استمرار القيود الإسرائيلية على إدخال مواد البناء والطاقة يعد عقبة كبرى أمام أي محاولة لإنعاش الاقتصاد، إذ لا يمكن لإعادة الإعمار أن تبدأ بينما تظل غزة محاصرة وتحت القصف المستمر.

أزمات متلاحقة.. الاقتصاد، الصحة، البيئة والمجتمع
التقرير يؤكد أن الدمار الناتج ليس اقتصاديًا فقط، بل متعدد الأوجه:
-    أزمة صحية مع منظومة طبية شبه منهارة.
-    أزمة تعليمية بعد تدمير المدارس والجامعات.
-    أزمة بيئية نتيجة المياه الملوثة وانهيار الصرف الصحي.
-    أزمة اجتماعية بسبب التهجير الجماعي وفقدان الاستقرار.
-    أزمة مالية تمثلت في شلل النظام البنكي.
هذه السلسلة من الأزمات جعلت غزة، وفق التقرير، تدخل مرحلة "نقص التنمية" إلى "الدمار الكامل"، وهي حالة لم تُسجّل في أي منطقة بالعالم خلال العقود السبعة الماضية.

كيف يتم إنقاذ اقتصاد غزة؟ 
رغم قتامة المشهد، يقدم الخبراء مسارات عملية يمكن أن تُعيد للاقتصاد الفلسطيني قدرًا من التنفس:

فتح المعابر وإنهاء الحصار:
فتح المعابر أمام التجارة، إدخال السلع، وتسهيل الحركة يمثل الشرط الأول لاستعادة الحياة الاقتصادية.

إطلاق برنامج دولي لإعادة الإعمار: برنامج مشابه لـ"خطة مارشال" لكن لفلسطين، بتمويل دولي متعدد المصادر، يتضمن:

ترميم البنية التحتية الأساسية (الكهرباء، المياه،المستشفيات).

 إعادة بناء المساكن المدمرة.

دعم المؤسسات المالية والبنوك.

 تطوير شبكات النقل.

دعم الإنتاج المحلي ومشاريع التشغيل، كاعادة تشغيل: المصانع الصغيرة، مشاريع الزراعة الحضرية، ورش الصناعات الغذائية والبلاستيكية والخشبية، مع توفير قروض صغيرة بلا فوائد تُمنح للأسر المنتجة.

خلق اقتصاد رقمي مستقل نسبيًا والتركيز على: التعليم الرقمي، العمل عن بعد، برمجة وتطوير التطبيقات،
تدريب الشباب على المهارات الرقمية التي لا تتأثر بالحصار.

إنشاء صندوق دولي لتعويض المتضررين يتولى: تعويض الأسر التي فقدت منازلها، دعم الطلاب، إعادة بناء المؤسسات الصحية والتعليمية.

إصلاح النظام المالي وحمايته من خلال: إعادة تشغيل البنوك، وتأمين السيولة، وضمان وصول الرواتب.

واقعيا، غزة اليوم ليست أمام أزمة اقتصادية عابرة، بل أمام انهيار شامل أعادها عشرات السنين إلى الوراء.

لكن التاريخ يعترف بأن غزة منطقة تنهض رغم كل المحن، وأن الاستثمار في إعادة بنائها ليس ضرورة إنسانية فقط، بل شرط للاستقرار الإقليمي.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير