في يوم مناهضة العنف: المرأة الغزية لا تطالب بالمساواة… بل بحقها في الحياة

في يوم مناهضة العنف: المرأة الغزية لا تطالب بالمساواة… بل بحقها في الحياة
في يوم مناهضة العنف: المرأة الغزية لا تطالب بالمساواة… بل بحقها في الحياة

الرسالة نت- خاص

يمرّ العالم اليوم باليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة؛ مناسبة يُفترض أن تُسلّط الضوء على حقوق النساء وأمنهن وكرامتهن، بينما تجد نساء غزة أنفسهن، للعام الثالث على التوالي، في قلب واحدة من أقسى المآسي الإنسانية المعاصرة، بفعل الحرب (الإسرائيلية) المستمرة وما خلّفته من قتل ودمار وتجويع وحرمان من أبسط ضروريات الحياة.

ومع كل نداء عالمي لإنهاء العنف ضد النساء، يتردد في غزة صدى سؤال مرير:كيف يمكن للمرأة أن تتمتع بحقوقها الأساسية وهي تكافح يوميًا من أجل النجاة؟

ضحايا بلا عدّ…

تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن الهجوم العسكري منذ أكتوبر 2023 أسفر عن استشهاد أكثر من 12,400 سيدة، من بينهن 9,000 أم، فيما دُمّر نحو 90% من البنية التحتية والمباني السكنية، لتعيش النساء واقعًا قاسيًا من النزوح المتكرر، والخيام غير الصالحة للسكن، وانعدام الغذاء والماء والرعاية الصحية.

لكن خلف هذه الأرقام الباردة، تختبئ حكايات نساء فقدن كل شيء… ولم يفقدن قدرتهن على الصمود.

تعرّضت المرأة الغزية خلال الحرب لكل أشكال الانتهاكات، بدءًا بالقتل المباشر واستهداف المنازل المكتظّة بالنساء والأطفال، مرورًا بالاعتقال التعسفي وسوء المعاملة، وصولًا إلى شهادات لأسيرات فلسطينيات حول تعرّضهن للاغتصاب داخل سجون الاحتلال؛ في واحدة من أبشع وأعنف صور العنف ضد المرأة.

وعلى مدار أكثر من عامين، أُجبرت المرأة الغزية على النزوح عشرات المرات، في ظروف تفتقر للماء والمأوى والحماية. وخلال رحلة النزوح وسط القصف والخوف، اضطرت مئات الحوامل للولادة في ظروف قاسية؛ بعضهن على الطرقات أو في الخيام، في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الصحية.

وفي ظل حرب طاحنة، أصبح على المرأة أن تكون الأم والأب والمعلّمة والممرضة والمزوّدة الأساسية للطعام والماء، مع فقدان الآلاف من معيلي الأسر، لتجد نفسها وحيدة في مواجهة أصعب الظروف.

**قصص من قلب المأساة

على رصيف قرب خيمة مهترئة شمال قطاع غزة، تجلس أم رامي أمام ثلاثة أحجار صنعت منها موقدًا بدائيًا. تحاول إشعال النار في حطبٍ مبلّل من شدة المطر، بعدما أصبح غاز الطهي—الذي حصلت عليه مؤخرًا لأول مرة منذ عامين—عزيزًا لا يُستخدم إلا في أضيق الحدود.

تقول وهي تحاول إشعال النار للمرة الخامسة:"لم أعد أريد طبخ الطعام… جسمي لم يعد يقوى على هذا التعب. امتلأ صدري بالدخان وأصبح الزكام وضيق التنفس حالة تلازمني دون أي علاج."

وتضيف بمرارة:"عن أي حقوق للمرأة يتحدثون؟ نحن حُرمنا من أبسط احتياجات البشر، وعدنا إلى العصر الحجري… والعالم لا يتحرك، يعيش على الشعارات والأيام المزيّفة دون أي تغيير على الأرض."

مثل أم رامي آلاف النساء اللواتي اضطررن للعودة إلى وسائل بدائية لتأمين الطعام والماء، في ظل غياب الغاز والوقود والكهرباء، وتحول الطهي إلى معركة يومية.

في مخيم آخر، تقف أم خالد فوق برميل ماء بلاستيكي تغسل ملابس أطفالها بيديها. تقول بصوت متعب:"مهمات عديدة أصبحت جزءًا من واجباتنا اليومية… لم يعد للراحة مكان منذ بداية الحرب."

الغسيل اليدوي، الذي كان عملًا نادرًا في السابق، عاد ليصبح واجبًا يوميًا مرهقًا للنساء وسط نقص المياه والصابون.

أما هدى، أم لثلاثة أطفال وزوجة شهيد، فتشير إلى أنها اضطرت وحدها للتكفل بأطفالها وحمايتهم من الجوع والعطش والبرد والقصف طوال أيام الحرب.

تقول:"وجدت نفسي أمًّا وأبًا في آن واحد. أحمل ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين عامين وتسع سنوات، وأواجه بهم حربًا لا ترحم أحدًا."

في الليالي التي لا يبدّد ظلامها إلا ضوء القصف، كانت تحتضن أطفالها وتحاول طمأنتهم بينما قلبها يرتجف من هول الانفجارات. وفي النهار، تخوض رحلات شاقة بحثًا عن الماء والطعام والحطب ومتطلبات الحياة.

أما سمر، التي كانت معلمة لغة عربية في مدرسة حكومية شمال غزة قبل الحرب، فتقف اليوم داخل خيمة تضم عشرات الأطفال المهجّرين، تحاول أن تمنحهم دقائق من التعليم وسط دمارٍ كامل للمدارس.

وتقول:"لم تعد مهمتي تعليم القراءة والكتابة… بل حماية الأطفال من الانهيار. أحاول أن أشغلهم بقصص بسيطة لأُنسيهم أصوات القصف والجوع."

أكثر من 625 مدرسة تم تدميرها أو تعطيلها، ووجدت آلاف المعلمات أنفسهن أمام مسؤوليات مضاعفة: تعليم، ورعاية، واحتضان، وطمأنة.

**حرمان من كل الحقوق

قالت المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان "شاهد" إن انطلاق حملة "16 يومًا لمناهضة العنف ضد المرأة" هذا العام يتزامن مع تعرّض نساء قطاع غزة لمستويات غير مسبوقة من العنف، في ظل حرب الإبادة التي حوّلت حياتهن إلى صراع يومي من أجل البقاء.

وأكدت أن ما تواجهه النساء الغزّيات يتجاوز إطار العنف القائم على النوع الاجتماعي، ليصل إلى مستوى الخطر الوجودي الذي يهدد الحياة والكرامة والحق في البقاء.

وأوضحت أن النساء كنّ من أبرز ضحايا الحرب، إذ استُهدفن بالقصف المباشر والقتل الجماعي والتجويع وحرمانهن من العلاج والغذاء.

ووفق المؤسسة، فقد استُشهدت أكثر من 10,621 امرأة خلال العامين الماضيين، في مؤشر يعكس حجم العنف الممنهج ضد المرأة في غزة.

ومع تفاقم سياسة التجويع (الإسرائيلية)، اضطرت نساء كثيرات إلى المخاطرة بحياتهن للوصول إلى مراكز المساعدات، وقد قُتلت 38 امرأة أثناء محاولتهن تأمين الغذاء لعائلاتهن.

كما تكشف الإفادات الحقوقية الموثّقة عن انتهاكات جنسية خطيرة في السجون الإسرائيلية، شملت الاغتصاب والتحرش والتفتيش العاري والتهديد بالاعتداء الجنسي، في حالات تركت آثارًا نفسية وجسدية عميقة.

ورغم وقف إطلاق نار هش، تؤكد "شاهد" أن نساء غزة ما زلن محرومات من الشعور بالأمان، في ظل استمرار الاعتداءات وفقدان الأحبة وتواصل النزوح وغياب الخصوصية وتردي الوضع داخل الخيام.

وأشار التقرير إلى أن آلاف النساء أصبحن المعيل الوحيد لأسرهن في ظل غياب أي حماية أو دعم فعّال، إضافة إلى معاناة النساء المصابات بالسرطان وبتر الأطراف من انعدام الرعاية الصحية المتخصصة.

وفي ختام تقريرها، شددت "شاهد" على أن ما تتعرض له نساء غزة يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، داعيةً إلى محاسبة المسؤولين الإسرائيليين وتنفيذ مذكرات التوقيف الدولية.

كما طالبت بتوفير حماية دولية عاجلة، وخطط دعم طويلة الأمد لإعادة بناء الخدمات الأساسية وتمكين النساء نفسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.

ففي يوم مناهضة العنف ضد المرأة… المرأة الغزية لا تبحث عن تمكين أو مساواة، بل عن حقها الأساسي في الحياة.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير