رجال رفح.. صور أرادها الاحتلال للدعاية فانقلبت شهادة بطولة

الرسالة نت - متابعة

تحوّلت الصور التي بثّها جيش الاحتلال الإسرائيلي لمقاتلين وشهداء من رفح، والتي قُدمت في سياق دعائي منظم، إلى محور نقاش واسع داخل الشارع الفلسطيني، بعدما رأت فيها قطاعات واسعة من الجمهور محاولة جديدة لضرب المعنويات وترويج رواية تخدم الحرب النفسية، غير أن تأثيرها جاء معاكسًا لما أراده الاحتلال؛ إذ اعتبرها كثيرون توثيقًا لثبات المقاومين وبطولاتهم، وإضافة جديدة لسجل الصمود الممتد في غزة.

ويرى مراقبون أن الاحتلال سعى عبر نشر تلك الصور إلى تكريس رواية تقوم على الإذلال والإخضاع، لكن استقبالها لدى الفلسطينيين اتجه نحو قراءة مختلفة، باعتبارها دليلًا على إخفاق محاولات كسر إرادة المقاتلين المحاصرين في الأنفاق، الذين واصلوا القتال رغم الظروف المعقدة والمتغيرات الميدانية.

في المقابل، أكدت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) أن القضية لم تكن يومًا ملفًا مهملًا، وأنها خاضت خلال الأسابيع الماضية سلسلة من الاتصالات والمشاورات مع الوسطاء، في محاولة لإيجاد حل آمن يضمن عودة المقاتلين المحاصرين، وتقديم آليات واضحة لتسوية ملفهم، غير أن الاحتلال – وفق بيان الحركة – اختار مواجهة تلك الجهود بالقتل والملاحقة والتصفية.

وقالت الحركة في بيانها إن تلك الاعتداءات تشكل خرقًا صريحًا لاتفاق وقف إطلاق النار، وتحمل رسالة واضحة مفادها تقويض الجهود السياسية، مؤكدة أنها قدّمت مقترحات عملية لتجاوز الأزمة، إلا أن الاحتلال أفشل كل المساعي واستخدم الملف كورقة إعلامية وعسكرية في آن واحد.
ودعت الحركة الوسطاء إلى التدخل لوقف الانتهاكات، محملةً الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياة المقاومين الذين وصفتهم بنموذج الفداء والتضحية والصبر.

وفي السياق ذاته، جددت كتائب القسام موقفها عبر تصريح مقتضب قالت فيه: "ليس في قاموسنا الاستسلام"، رسالة اعتبرها متابعون تأكيدًا على أن نشر الصور لم يحقق الاختراق النفسي الذي أراده الاحتلال، وأن المقاتلين، شهداء كانوا أو أسرى، يمثلون امتدادًا لنهج المقاومة لا نهايته.

كتاب ونشطاء تفاعلوا مع القضية، مؤكدين أن محاولات العدو لاستثمار الصور في الحرب النفسية لن تنجح في محو رمزية التضحية. وأشار الناشط أبو سمير العمودي إلى أن ما جرى في رفح يُظهر معدن الرجال الذين "باعوا الحياة رخيصة ورفضوا الذل"، بينما كتب عزات جمال واصفًا الفتية بأنهم "اختاروا الصمود حين ضاقت السبل، فكان الثبات خيارهم والمواجهة قدرهم".
في سياق التفاعل الشعبي مع الصور الصادرة من رفح، أكد الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون أن ما يُنشر ليس مجرد لقطات عابرة بقدر ما هو انعكاس لوجعٍ يتجاوز حدود الاحتمال، وصرخة تُظهر حجم الفقد الذي يعيشه الفلسطينيون برجالٍ وصفهم بأنهم خلاصة العزّ والبطولة في زمن اشتدّ فيه الانكسار.

ويشير المدهون في تحليله إلى أن هذه المشاهد ليست مشاهد هزيمة، بل رسائل تقول للعالم إن في رفح رجالًا وقفوا حيث عجز غيرهم، وصمدوا في مواقع انهارت فيها جيوش، وقاتلوا في ظلام لا يضيئه سوى الإيمان. 
ويتابع "مرّ عام كامل على وجودهم في الأنفاق — محاصرين، منقطعين عن الدنيا، بلا طعام ولا اتصال — لكنهم ظلّوا واقفين، لم تنحنِ لهم جبهة، ولم تهتزّ عزيمة."

ويضيف المدهون أن رجال رفح ليسوا قصة بطولة وحسب، بل ألمٌ ثقيل يجري في القلب وفقدٌ جارح، وفي الوقت ذاته مجدٌ يُرفع به الرأس عاليًا. فهذه الصور تكشف الوجه الحقيقي للمعركة: دم على التراب، وعيون أغلقت على الشهادة، وصدور تقدّمت نحو العز بلا تراجع.

ويختتم المدهون بالقول إن هؤلاء المقاتلين قاتلوا نيابة عن الجميع، دفاعًا عن اسم شعب لا يُمحى وكرامة لا تُباع، داعيًا لتوثيق صورهم ونشر روايتهم للعالم، ليُدرك أن ما يُبكى عليه اليوم ليس ضعفًا، وإنما شهادة عظيمة على من يشبهون المعجزات من رجال رفح.

وبين الصورة والسردية، يبقى المشهد واضحًا: الاحتلال يهرب إلى الدعاية لإحداث شرخ في الوعي، والمقاومة توثق حضورها بثبات الرجال وبتاريخ لا يُمحى، فيما تبقى قضية المقاتلين المحاصرين عنوانًا قائمًا في الميدان والسياسة معًا، بانتظار تحركٍ يلجم خرق الاتفاق ويعيد للأبطال حقهم في العودة أحياء أو شهداء مرفوعي الرأس.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من سياسي