عامان على طوفان الاحرار عامان على طوفان الاحرار

إيهاب أبو جزر .. مدرب حمل وجع غزة إلى غرفة الملابس فكتب ملحمة تأهل فلسطينية

الرسالة نت - خاص

إيهاب أبو جزر، ابن مدينة رفح في أقصى جنوب غزة، يعرف تمامًا ماذا يعني أن تلعب كرة القدم تحت الحرب وأن تكبر وسط الحصار. سنوات طويلة عاشها في ملاعب القطاع لاعبًا ومدربًا قبل أن يعتلي منصب المدير الفني لمنتخب فلسطين، حاملاً معه ذاكرة مدينة أنهكتها المواجهات، وشعبًا ينتظر أي لحظة فرح تنتصر فيها للحياة.

أبو جزر لم يأتِ إلى المنتخب من مسار مهني تقليدي، بل جاء مثقلاً بذاكرة الحرب، وخسائر الأصدقاء، وصوت الصواريخ التي كانت تقترب من الملاعب أكثر مما يقترب المرمى، هذه الخلفية جعلت من خطابه بين شوطي مباراة ليبيا في الملحق المؤهل لكأس العرب لحظة مفصلية لا تشبه أي خطاب رياضي مألوف.

وفي الملحق المؤهل لكأس العرب، لم يكن خطاب أبو جزر بين شوطي مباراة فلسطين وليبيا مجرد توجيهات فنية. كان استدعاءً صريحًا لوجع غزة، حين دخل غرفة الملابس ووقف أمام لاعبيه قائلًا بلهجته الغزية التي يعرفها كل فلسطيني:
"تنسوش احنا بنلعب عشان مين. احنا ممتازين في المباراة، لكن بستنو فينا ناس في الخيام، بستنى فينا شعب كامل، بستنى فينا ناس في القدس، بستنو فينا ناس مش لاقيين ياكلوا من الجوع والحصار والحرب، انتو اللي بدكم تفرحوهم مؤقتا، لازم يفرحوا عشان ينسوا الموت والدمار والحرب، شوط بدنا نموت فه وإن شاء الله راح نفوز".

لم يكن الخطاب لرفع المعنويات فحسب، بل كان استدعاءً لوجع وطن يعيش تحت النار، ورسالة للاعبين بأن أداءهم لم يعد مجرد لعبة، بل مساحة الفرح الوحيدة لملايين فقدوا معنى الحياة الطبيعية.

وبينما انتهى الزمن الأصلي بالتعادل السلبي، حمل لاعبو فلسطين كلمات مدربهم إلى ركلات الترجيح، التي حسموها 4–3، ليضمنوا مقعدًا في كأس العرب ضمن مجموعة تجمعهم بقطر وتونس وسوريا. تأهل لم يكن رياضيًا فقط، بل تتويجًا لصمود شعبٍ يحاول أن يسرق لحظة انتصار من بين أنقاض الحرب.

اليوم، يُنظر إلى أبو جزر بوصفه أكثر من مدرب؛ هو شاهد حي على حربٍ ما زالت تأكل مدينته، ورمزٌ لروح غزة التي لا تنكسر. وفي كل مرة يقف فيها على خط التماس، يحمل معه رفح بكل دمعها وملحها وأملها المتجدد بأن كرة القدم ما زالت قادرة على صناعة المعجزات حين يعجز العالم عن وقف المأساة.

لم يكن التأهل مجرد إنجاز رياضي، بل نافذة صغيرة أُشرعت لأهل غزة الذين يعيشون اليوم في الخيام وتحت ركام الحرب. أبو جزر، الذي ما زال بيته ومدينته تحت النار، قدّم درسًا في أن الرياضة ليست هروبًا من الواقع، بل أحيانًا تصبح مساحة المقاومة الوحيدة المتاحة.

ومع هذا التأهل، تحوّل إيهاب أبو جزر إلى رمز لمدرب جاء من قلب المعاناة، يقود لاعبيه بروح مدينة لا تزال تقاوم، وبكلمات صنعَت لحظةً لا تُنسى في تاريخ المنتخب الفلسطيني.

البث المباشر