كيف تخطف الحرب نور أعين المكفوفين وتتركهم بلا علاج ولا أدوات؟

الرسالة نت- خاص

حذّرت وزارة الصحة بغزة من "كارثة صحية وشيكة" قد تؤدي إلى فقدان البصر لآلاف المرضى، نتيجة انهيار المنظومة الطبية المخصصة لرعايتهم، ونقص الأجهزة والأدوية، وانعدام مراكز التأهيل.

فمع استمرار القصف المستمر ونزوح أكثر من مليون شخص إلى أماكن غير صالحة للعيش، يبدو أن الظلام لم يعد مجرّد حالة بصرية، بل أصبح واقعًا يعيشه سكّان القطاع، خاصّة أولئك الذين يعتمدون على حواسهم الأخرى للبقاء.

تقول وزارة الصحة في بيان صحفي نقلته "الرسالة نت" إن تلف الأجهزة التشخيصية والجراحية الخاصة بطب العيون في مستشفيات القطاع أدى إلى تراكم كبير في الحالات، وتأخير العمليات وتوقف التدخلات الجراحية الضرورية، وسط نقص حاد في الأدوية التخصصية، بما فيها تلك المخصصة للأمراض المزمنة والحالات الطارئة.

وأوضحت الوزارة أن أكثر من 4000 مريض يعانون من الجلوكوما (ارتفاع ضغط العين) مهددون بفقدان البصر، في ظل غياب العلاج وضيق القدرة الجراحية، في وقت وصفت فيه أرصدة الأدوية المتوفرة بأنها "شبه معدومة". هذا الانهيار في الخدمات الصحية ترك آلاف المرضى بين خيارين: العتمة أو الموت البطيء.

أطفال مكفوفون في عزلة… ومراكز تأهيل متوقفة

توقف مراكز التأهيل والمدارس المتخصصة زاد من عزلة آلاف الأطفال المكفوفين الذين كانوا يعتمدون على التعليم الحسي، والبيئات التفاعلية التي تساعدهم على تطوير مهارات الحركة واللغة والاعتماد على النفس.

اليوم، يعيش كثير من هؤلاء الأطفال داخل خيام النزوح دون أي دعم نفسي أو تعليمي، وتؤكد عائلاتهم أنهم يفقدون مهارات كانوا قد اكتسبوها بعد سنوات من التدريب، ما يهدّد مستقبلهم بالكامل.

بينهم مئات الأطفال الذين فقدوا بصرهم خلال الحرب الأخيرة، معظمهم نتيجة الشظايا والضغط الناتج عن انفجارات القصف.

وسط هذا المشهد القاتم، تبرز قصة سامي إبراهيم، الذي كان يعاني من ضعف شديد في البصر قبل الحرب، لكنه استطاع أن يتكيف مع حياته اليومية عبر أدوات بسيطة: عكازه الخاص، وهاتفه المحمول الذي كان يعتمد عليه للقراءة، والتنقل عبر برامج ناطقة، والتواصل مع الآخرين.

لكن مع قصف الحي الذي كان يقطن فيه، دُمرت خيمته بالكامل، وضاعت أدواته التي كانت تمثّل "عينه البديلة". فقد سامي عكازه وهاتفه معًا في القصف، ولم يتمكن من تعويضهما، لأن البديل لا يتوفر في الأسواق في ظل الحرب، وحتى المساعدات لا تشمل احتياجات خاصة للمكفوفين.

اليوم يعيش سامي في خيمة صغيرة مليئة بالعوائق، ويتنقل اعتمادًا على سجيته وحدسه، وغالبًا ما يتعثر ويسقط أرضًا.

ورغم حاجته الملحّة لعكاز مصمم للكفيف أو لهاتف ناطق، لا يجد سامي أي مؤسسة قادرة على تقديم هذا الدعم البسيط، بسبب توقّف برامج التأهيل وانقطاع المساعدات المتخصصة بالكامل.

وفي زاوية أخرى من المأساة، تقف أم لفتاة تبلغ من العمر 14 عامًا فقدت بصرها بعد إصابتها بشظايا نتيجة قصف منزل الجيران. لم يكن لدى العائلة أي استعداد نفسي أو طبي لمواجهة هذا الوضع الجديد مع فتاة كفيفة.

تقول الأم إن طفلتها كانت تحلم بأن تصبح صحافية، وكانت متفوقة في دراستها، لكن الحلم انهار خلال ثوانٍ عندما اخترقت الشظايا وجهها وأصابت عينيها إصابة مباشرة.

اليوم، تعيش الفتاة حالة اكتئاب حاد، تبكي يوميًا وتتمنى استعادة بصرها، مع توقف جميع مراكز التأهيل والعلاج البصري، أصبحت الأم عاجزة أمام ابنتها التي فقدت القدرة على الاعتماد على نفسها.

تقول الأم لـ "الرسالة نت": لا يوجد علاج، لا يوجد مركز أطرق بابه لمساعدة ابنتي، ولا حتى طبيب يفحص حالتها، ابنتي تموت كل يوم مرتين: مرة حين تغمض عينيها، ومرة حين تعرف أنه لا أمل قريب."

بدورها دعت وزارة الصحة الجهات المحلية والدولية إلى التدخل العاجل لإدخال أجهزة التشخيص والأدوية التخصصية الخاصة بأمراض العيون، إضافة إلى إعادة تشغيل مراكز التأهيل، محذرة من أن التأخر يعني فقدان البصر لآلاف الأشخاص، بينهم أطفال ونساء وكبار سن.

مستشفى العيون الوحيد المدمر

إن فقدان البصر في غزة اليوم ليس نتيجة مرض فقط، بل نتيجة حرب دمّرت البيوت والأجهزة الطبية والمراكز المتخصصة، وقطعت الطريق أمام العلاج والتأهيل. 

فقد شكّل مستشفى العيون في غزة واحدًا من أوائل المرافق الطبية التي استهدفها جيش الاحتلال خلال الأيام الأولى للحرب، إذ تعرض لقصف مباشر أعقبه اقتحام عسكري حوّله إلى ثكنة عسكرية مغلقة لفترات طويلة، ما أدى إلى تعطيل خدماته بالكامل. 

ومع سقوط الجدران وتهشّم غرف العمليات، فقد المستشفى معظم أجهزته التشخيصية والجراحية الدقيقة، بما في ذلك أجهزة الليزر والعمليات الميكروسكوبية التي لا يتوفر بديل لها في أي مركز آخر داخل القطاع. كما اضطر العديد من الكوادر الطبية المتخصصة في طب وجراحة العيون إلى النزوح أو التوقف القسري عن العمل بعد تهدم منازلهم أو فقدان ذويهم، مما ضاعف من حجم الكارثة. 

اليوم، وبعد أن دُمر المستشفى، ترتفع الأصوات محليًا ودوليًا للمطالبة بإعادة إعمار هذا المرفق الحيوي وإعادة تأهيله، باعتباره الشريان الوحيد القادر على إنقاذ آلاف المرضى المهددين بفقدان البصر بشكل دائم.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير