في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، حيث تختلط رائحة الركام بعبق الصمود، وُلدت واحدة من أكثر القصص البطولية تأثيرًا في الوجدان الفلسطيني خلال الحرب: قصة الشهيد القائد والمقاوم مجاهد أحمد أبو صوصين "أبو يحيى"، الشاب الذي تحوّل مقطع مصوّر له وهو يعتلي خزانة ملابس داخل أحد البيوت ليقنص جنود الاحتلال واحدًا تلو الآخر، إلى رمز من رموز المقاومة الشعبية في رفح وغزة كلها.
ذلك القنّاص الذي عُرف بـ "قناص الخزانة"… لم يكن مجرد مقاتل نفذ مهمة جريئة؛ بل قائدًا ميدانيًا صلبًا خاض لعامين كاملين قتالا دون انقطاع، وظل ثابتًا في مواقع الاشتباك حتى لحظة ارتقائه.
عرفه الناس أول مرة عبر مقطع انتشر كالنار في الهشيم: مقاومٌ شاب، يعتلي خزانة ملابس داخل منزل في رفح، يوجّه سلاحه ناحية النافذة، ويقنص جنديًا إسرائيليًا بدقة مذهلة ثم يعود للاختفاء بسرعة البرق.
لم يظهر وجهه، ولم يُعرف اسمه… لكن طريقته في القنص وثباته جعلته حديث الفلسطينيين، ولاحقًا، كشف شقيقه الحقيقة قائلاً في منشور على فيسبوك: "هل تذكرون قنّاص الخزانة؟ إنه أخي… حاصد رؤوسهم، القائد القنّاص مجاهد أبو صوصين."
بهذه الكلمات خرجت هوية البطل إلى العلن، لتبدأ قصة المجاهد الذي قاتل بصمت، وارتقى بصوتٍ دوّى في قلوب الناس.
عامان في قلب النار
وُصف الشهيد من كل من عرفه بأنه شاب هادئ، خلوق، مبتسم دائمًا، يجمع بين الوداعة الشخصية والقسوة اللازمة في الميدان.
خاض عامين من الجهاد المتواصل دون انقطاع، مقاتلًا داخل أزقة رفح، وفي أنفاقها، وعلى خطوط الاشتباك شرقي المدينة.
ووفق شهادات رفاقه وعائلته، تمكن بيديه من قنص سبعة جنود إسرائيليين في عمليات دقيقة شرق رفح، قبل أن يتعرض لإصابة بالغة جراء قصف جوي.
شقيقه عبود كتب بحرقة: "اليوم أفقد روحًا من روحي… اليوم أرثي بطلاً من أبطال رفح وأسودها. بعد جهادٍ لعامين وقتله لسبعة من الجنود قنصًا، اختار الله أخي مجاهد شهيدًا… اللهم إنا راضون عنه فارضَ عنه."
الخيانة التي خطفت البطل
لم يستطع الاحتلال الوصول إليه رغم المطاردة، ولا القصف أثنى عزيمته. لكن الطعنة جاءت من حيث لم يتوقعها أحد.
بحسب عشرات الروايات التي تواترت من النشطاء وأبناء رفح، فإن البطل مجاهد أبو صوصين أصيب خلال قصف جوي، وما لبث أن تقدّم الخائن غسان الدهيني—أحد أبرز عملاء الاحتلال—وأطلق عليه النار وهو جريح، ليرتقي بعدها شهيدًا.
الناشطة مريم أحمد كتبت: "قنّاص الخزانة البطل… ارتقى برصاص الخائن غسان الدهيني في رفح."، بينما صفحة تجمع شباب قبيلة الترابين قالت بلهجة الغضب: "يرتقون شهداء في رفح على يد أراذل القوم وأقذرهم من عملاء الاحتلال… ألا شلّت أيمانكم."
أمّا بلال أبو صوصين، ابن عم الشهيد، فكتب كلمات تقطر مرارة: "تموت الأسود في أنفاق رفح جوعًا… ولحم الضأن تأكله الكلاب."
القائد الذي لم يترك موقعه
لم يكن مجاهد مجاهدًا عاديًا؛ بل نائب مسؤول وحدة القنص السامية في الكتيبة الشرقية لرفح، وفق شهادات من عرفوه.
قاتل حتى آخر رمق، بقي في رفح رغم الحصار، الجوع، القصف، وانقطاع الإمداد.
"أحد الأبطال العالقين في رفح… صمد جوعًا وعطشًا وقصفًا"، كما كتب فراس أبو شرخ.
المقاتلون الذين عرفوه قالوا إنه رجل بأخلاق الصحابة: "رفح اليوم تقدم رجلًا من زمن الصحابة الكرام… مجاهد أبو صوصين خلقًا واقتداءً بهم."
حكاية ثأر ووجع
لم يكن ارتقاء مجاهد حدثًا عاديًا داخل العائلة الكبيرة الممتدة لقبيلة الترابين، فهذا ابن شقيقه، أنس أبو صوصين، كتب بيانًا تهديديًا بعد إعلان الدهيني تبنّيه للجريمة: "لقد أخذ أخي ثأره من دماء أسيادك… وأقسم أنني سآخذ بثأري منك شخصيًا يا غسان الدهيني… الأيام بيننا."
الغضب الذي اجتاح العائلة يعكس حجم الصدمة، فجميعهم كانوا يتابعون بطولاته بصمت، ويرون فيه فتى العائلة وأحد أشجع أبنائها.
لماذا أصبح أيقونة؟
لم يكن مجاهد مجرد قناص ناجح أو قائد ميداني؛ بل نموذج رمزي للمقاتل الفلسطيني الذي يجمع بين الجرأة الاستثنائية في القنص من خزانة داخل منزل وصمود طويل في رفح رغم الانهيار الإنساني وتنظيف الميدان من جنود الاحتلال بيديه، وارتقاءٍ بطولي تخللته خيانة… وهو ما أعاد سرديات تاريخية عن "طعنات الظهر".
هذا المزيج صنع من قصته حالة وجدانية فلسطينية، وصورة تحولت إلى رمز شعبي: الشاب الهادئ الذي كان يضحك دائمًا… ويقنص دائمًا.
الناشط محمد أبو عائد كتب: "مجاهد… الشاب الهادئ الجميل… لم أره إلا مبتسمًا. كل صفات المجاهد في مجاهد."
يرحل مجاهد أبو صوصين، لكن إرثه يبقى حاضرًا في ذاكرة رفح: بطلٌ صمد عامًا بعد عام، قاتل من الأزقة وعلى الخزائن، من الأنفاق وعلى التماس، حتى أصبح "أسطورة رفح" التي التفت حولها القلوب.
ارتقى شهيدًا، لكن المقطع الذي اشتهر به، ووجهه الذي عرفه الناس بعد رحيله، تركا أثرًا خالدًا أن الشجاعة تصنع طريقها، وأن الخيانة مهما بلغت، فإنها لا تطمس نور الشهداء.