سالي صدقة… طفلة أخذها الاحتلال من مقعد الدراسة إلى المسكوبية

الرسالة نت - رشا فرحات

أجل الاحتلال اليوم محاكمة الأسيرة الفتاة سالي صدقة (17 عامًا) من قرية المدية غرب رام الله، حتى السادس والعشرين من يناير القادم بعد عام من الاعتقال دون تهمة واضحة .

من قرية المدية الوادعة غرب رام الله، اعتقلت سالي صدقة، ابنة السبعة عشر عامًا، بينما كانت تنوي أن تستيقظ صباحا لترتّب كتبها المدرسية على الطاولة الخشبية الصغيرة، وتطوي حلمها بأن تصبح طبيبة بين دفتي دفتر الكيمياء.

 كانت طالبة في الصف الحادي عشر – الفرع العلمي، معروفة بين زميلاتها بخفّة ظلها وشجاعتها وثقتها التي تسبق سنوات عمرها. لم تُعرف يومًا بعنف، ولا خالطت حياة الأسيرات قبلها. أقصى ما عرفته عن السجون كان من نشرات الأخبار.

لكن الليل، الليل الذي يعرفه الفلسطينيون جيداً، قرر أن يزور بيت آل صدقة في مطلع يناير 2025.

عند الثانية بعد منتصف الليل، طرقات تخلع القلب سبقت اقتحام جنود الاحتلال. انكسرت جدران الصمت، واقتيدت سالي من بين يدي أمّها بارتجاف طفلة لم تُكمل عامها الثامن عشر.

 كانت تظن أنها ستعود بعد ساعات. لم تكن تعرف أن 36 يومًا من التحقيق في المسكوبية تنتظرها، ولا أن الشمس ستحجب عنها، ولا أن الهواء سيصبح أمنية، ولا أن الساعات الطويلة ستُملأ بالضرب والتهديد والحرمان.

في المسكوبية، تحوّل الزمن إلى سؤال معلّق:
كم تتحمّل طفلة؟ كم يستطيع جسد نحيل أن يقاوم غرف التحقيق الباردة؟وكم يحتاج القلب لتصديق أن ما يحدث له واقعي؟

بعد أكثر من شهر، نُقلت سالي إلى سجن الدامون، وهناك بدأت مرحلة الغياب. “منذ شهور لا نعرف عنها شيئًا”، قالت عائلتها التي باتت تتتبع فتات الأخبار من المحامين والمنظمات دون يقين. انقطع التواصل، وانقطع معه الجزء الأكثر قسوة: الطمأنينة.

ومنذ ذلك اليوم تغيّر وجه البيت. الغرفة التي كانت تمتلئ بكتبها بقيت كما هي، وعلى الرف ما زال دفترها الملوّن مكتوبًا عليه: “أنا سالي… أريد أن أصبح طبيبة”.

خسارة العائلة لم تبدأ مع اعتقالها؛ سبقتها فاجعة أخرى. فشقيقها عودة محمد صدقة، الفتى ذو السبعة عشر عامًا أيضًا، استشهد في 2 يونيو 2022 برصاص الاحتلال عند أطراف القرية ذاتها. ترك رحيله جرحًا لم يندمل، وجاء اعتقال سالي ليعمّق الحفرة التي ابتلعت فرح العائلة منذ سنوات.

اليوم، سالي واحدة من مئات الأطفال الفلسطينيين الذين انتهكت طفولتهم داخل السجون. طفلة حرمت من التعليم، من بيتها، من أمّها، ومن الشمس التي كانت تقف تحتها كل صباح قبل دخول المدرسة. وأمام محكمة عسكرية لا ترى في طفولتها سوى “ملف أمني”، تمّ تأجيل محاكمتها إلى 26 يناير 2026، وكأن الزمن مجرد ورقة قابلة للضغط لا حياة خلفها؛ سوى حرب خلف الأسوار.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من قصص صحفية