في واحدة من أكثر المراحل دموية وقسوة في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية، تتصاعد سياسات القمع الإسرائيلي داخل السجون إلى مستويات غير مسبوقة، مستهدفةً بشكل مباشر قادة ورموز الحركة الأسيرة، في محاولة واضحة لتحطيم بنيتها التنظيمية، وكسر رمزيتها الوطنية، وإنهاء ملف الأسرى بوصفه أحد أعمدة النضال الفلسطيني الممتد منذ عقود.
الانتهاكات والإجراءات العقابية التي تفرضها حكومة الاحتلال المتطرفة ليست عابرة بل تكشف الوقائع الميدانية والتقارير الحقوقية أن الاحتلال، بقيادة وزرائه الأكثر تطرفًا وعلى رأسهم إيتمار بن غفير الذي يخوض حربًا شاملة داخل الزنازين عنوانها "الانتقام" وأداتها الإذلال الممنهج، وهدفها النهائي تغييب الحركة الأسيرة عن المشهد الوطني الفلسطيني.
بن غفير وتصعيد القمع
على مدار عقود، شكّلت الحركة الأسيرة الفلسطينية نموذجًا فريدًا في القدرة على التنظيم والصمود داخل أكثر الظروف قسوة. فقد نجح الأسرى، عبر الإضرابات المفتوحة عن الطعام، والعمل الجماعي، وبناء الأطر التنظيمية، في انتزاع حقوق أساسية، وفرض معادلة نضالية داخل السجون.
هذا الدور المتقدم جعل من الحركة الأسيرة رافعة سياسية ووطنية، ومصدر إلهام للشعب الفلسطيني في مختلف مراحل المواجهة مع الاحتلال.
غير أن هذا الحضور لم يكن يومًا مقبولًا لدى منظومة الاحتلال، التي سعت مرارًا إلى تفكيكه. ففي عام 2004، قاد رئيس حكومة الاحتلال الأسبق أريئيل شارون إجراءات هدفت إلى ضرب البنية التنظيمية للأسرى، وتحويل الاعتقال من حالة جماعية ذات بعد وطني إلى تجربة فردية معزولة، تقوم على الإغراءات المحدودة والامتيازات الشكلية مقابل التخلي عن العمل الجماعي.
ومنذ ذلك الحين، تواصلت السياسات الإسرائيلية التي تمزج بين القمع العنيف وأساليب الاحتواء الناعمة، بإشراف مباشر من أجهزة الاستخبارات التابعة لإدارة السجون.
ومع تولي إيتمار بن غفير حقيبة ما يسمى بالأمن القومي، دخل ملف الأسرى مرحلة جديدة أكثر توحشًا. فقد تراجعت سياسات الاحتواء، لصالح نهج انتقامي صريح يقوم على الضرب الوحشي، والعزل، والتجويع، والإذلال المتعمد.
ومنذ بداية حرب الإبادة على قطاع غزة، تحوّلت السجون إلى ساحات تعذيب مفتوحة، أسفرت عن استشهاد العشرات من المعتقلين، في ظل ظروف احتجاز مميتة وانعدام تام للرقابة الدولية.
ولا يقتصر هذا العنف على الأذى الجسدي، بل يستهدف بشكل ممنهج تحطيم الروح المعنوية والنفسية للأسرى، في محاولة للانتقام من الشعب الفلسطيني بعد فشل المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية في منع عملية "طوفان الأقصى".
وفي هذا السياق، تُعد الحركة الأسيرة هدفًا مركزيًا، لما تمثله من رمزية نضالية ودور تاريخي في الحياة السياسية والوطنية الفلسطينية.
استهداف القيادات: كسر الرمز وإهانة المعنى
تشير معطيات مكتب إعلام الأسرى وهيئة شؤون الأسرى والمحررين إلى تصعيد خطير يستهدف قادة ورموز الحركة الأسيرة بشكل مباشر. فقد أقدمت وحدات القمع على إخراج عدد من القيادات إلى ساحات الأقسام، والاعتداء عليهم بالهراوات حتى نزفوا دمًا، في مشاهد تهدف إلى تحويلهم إلى أدوات ترهيب لباقي الأسرى.
ومن بين أبرز المستهدفين القائد الأسير مروان البرغوثي، الذي تعرّض، وفق هيئة شؤون الأسرى ونادي الأسير، لسبع اعتداءات وحشية منذ السابع من أكتوبر، أسفرت عن إصابته بكسور في الأضلاع. كما طالت الاعتداءات القادة عبد الله البرغوثي وبلال البرغوثي وعاهد غلمة، في محاولة لكسر إرادتهم والنيل من مكانتهم الرمزية داخل الحركة الأسيرة وخارجها.
ولا يتوقف الاستهداف عند حدود الزنازين، إذ لجأ الاحتلال إلى ممارسة حرب نفسية ضد عائلات القيادات، كما حدث مع عائلة مروان البرغوثي، التي تعرضت لتهديدات وضغوط أمنية، في مسعى لزرع الخوف وكسر المعنويات، وتوسيع دائرة العقاب الجماعي.
أهداف الاحتلال: إنهاء ملف الأسرى
تدرك أجهزة الاحتلال أن قضية الأسرى تمثل محركًا مركزيًا في الوعي الجمعي الفلسطيني، وعاملًا أساسيًا في استمرار النضال. لذلك تسعى، عبر القتل البطيء، والتعذيب، ومحاولات الإعدام داخل السجون، إلى تصفية القيادات الفاعلة، وإنهاء ملف الأسرى كقضية وطنية جامعة.
ويأتي الدفع نحو تشريعات متطرفة، مثل ما يُعرف بـ"قانون الإعدام"، في السياق ذاته، بوصفه أداة قانونية لإضفاء شرعية شكلية على سياسات القتل والتصفية.
كما تهدف هذه الممارسات إلى إيصال رسالة نفسية للفلسطينيين مفادها أن النضال لا جدوى منه، وأن ثمنه لا يتجاوز الألم المستمر للفرد وعائلته، في محاولة لفك الارتباط بين الفرد الفلسطيني والقضايا العامة، وعلى رأسها قضية الأسرى.
إلى جانب الاعتداءات الجسدية، يعاني الأسرى من انتشار واسع للأمراض الجلدية والتنفسية والمعوية، في ظل إهمال طبي متعمد وغياب الرعاية الصحية.
وأفاد أسرى تمت زيارتهم مؤخرًا باكتظاظ شديد داخل الأقسام، واحتجاز أعداد كبيرة في مساحات ضيقة تفتقر لأبسط مقومات الحياة الإنسانية، ما يهدد بتحول الحالات المرضية إلى أوضاع حرجة، خاصة بين كبار السن والمرضى.
كما تواصل سلطات الاحتلال سياساتها القمعية بحق الأسيرات الفلسطينيات في سجن الدامون، من خلال التفتيشات المهينة، والعقوبات الجماعية، وتقييد الزيارات، والحرمان من الاحتياجات الأساسية، في انتهاك صارخ لكافة المواثيق الدولية.