من بين الركام… مركز التميز يعيد الحياة للتعليم شمال غزة

الرسالة نت - خاص

لم يكن مركز التميز التعليمي في شمال قطاع غزة مجرد مبنى تعليمي، بل مساحة أمل تمسّك بها القائمون عليه، رغم أن الحرب لم تُبقِ فيه حجرًا على حجر. خرج المركز من تحت الركام أكثر من مرة، وتعرّض لتدمير شبه كامل، غير أن إرادة الاستمرار كانت أقوى من الخراب.
وتعرّض المركز لعدة موجات من التدمير، كان أعنفها خلال موجة النزوح الأخيرة من شارع أحمد ياسين في شهر سبتمبر الماضي، حين دُمّرت الواجهة بالكامل، وتضررت البنية الأساسية، ولم يتبقَّ سوى هيكل شبه خاوٍ. ومع ذلك، لم يكن الاستسلام خيارًا مطروحًا.
وبإمكانات شحيحة، ودون أي دعم مؤسسي، شرع القائمون على المركز بترميمه ذاتيًا.
يقول مدير المركز باسل شبير، وهو يتفقد الصفوف التي أُعيد بناؤها بإمكانات بدائية:
" اضطررنا إلى الإغلاق أكثر من مرة بسبب القصف والنزوح. كل ما رممناه كان يُدمَّر من جديد؛ الجبس، والألواح، والأسقف، حتى الأساسيات لم تسلم."


"لم تكن لدينا كهرباء، ولا أدوات، ولا مواد كافية. الترميم في الظروف الطبيعية لا يحتاج لأكثر من أسبوع، لكنه استغرق معنا شهرًا ونصف الشهر بسبب الواقع الصعب"، يوضح شبير.

أما الكلفة، فكانت صادمة قياسًا بالوضع الاقتصادي المنهك، إذ تجاوزت – وفق تقدير إدارة المركز – حاجز مئة ألف شيكل، ليتسنى للقائمين عليه توفير مقعد وطاولة لكل طالب.
وبرغم ذلك، عاد المركز ليفتح أبوابه من جديد، مستأنفًا رسالته التعليمية، ليخدم الطلبة من مرحلة الروضة وحتى الثانوية العامة.
ويشير شبير إلى أنهم من أوائل المراكز التي عادت للعمل هنا بعد موجات النزوح الأخيرة والدمار الذي حل بالمنطقة،  كما أنهم المركز المنظم الوحيد الذي يقدّم حصصًا ودروسًا بشكل منتظم"
واليوم، يستقبل المركز مئات الطلبة يوميًا، قدموا من مناطق متفرقة مثل بيت لاهيا، وحي الشيخ رضوان، والمناطق الشمالية المحيطة، في ظل إقبال واسع من الأهالي الباحثين عن أي فرصة لتعويض أبنائهم الفاقد التعليمي.
ويضيف مدير المركز: "نخدم ما بين 1500 و1700 طالب تقريبًا، ولو كانت الإمكانيات أفضل لاستطعنا استقبال أعداد أكبر."
ويؤكد شبير أن الرسالة لم تكن مادية يومًا، بل تعليمية وإنسانية بالدرجة الأولى:
"العائد المادي محدود جدًا، لكن رسالتنا تعويض الطلبة عن الانقطاع الطويل، وإعادتهم إلى مسار التعليم. التعليم في غزة تضرر بشكل كبير، خصوصًا في الشمال، وكان لا بد من إعادة فتح نافذة أمل."

ورغم الزيارات الدورية من وزارة التربية والتعليم، لا تزال التحديات جسيمة، خاصة في الجوانب اللوجستية، ورواتب المعلمين، وتوفير المستلزمات الأساسية.
ويشير شبير إلى أن التحدي الأكبر لم يكن إعادة البناء بحد ذاته، بل الاستمرار بعد كل دمار، قائلًا:
"التحدي الحقيقي هو أن نستمر. في كل مرة كان المركز يتعرض للتدمير، نعود من جديد ونحاول البناء، فقط حتى لا تضيع على الطلبة سنة دراسية أخرى. بذلنا كل ما بوسعنا حتى لا يخسروا حقهم في التعليم، رغم القصف والنزوح وانعدام الإمكانيات."
ويوجه شبير نداءً إلى المجتمع الدولي بضرورة إيلاء العملية التعليمية اهتمامًا أكبر، مؤكدًا أن الدعم لا ينبغي أن يقتصر على الغذاء والمأوى فقط، بل يجب أن يشمل التعليم باعتباره ركيزة أساسية للصمود وخط الدفاع الأول في مواجهة مخططات الاحتلال القائمة على التجهيل وكسر وعي الأجيال القادمة."
وهكذا، لم يكن مركز التميز مجرد مشروع تعليمي، بل قصة صمود حيّة تؤكد أن التعليم في غزة، مهما اشتد القصف وضاق الأفق، قادر على النهوض من بين الركام.