في يوم المهندس الزراعي العربي

مهندسو  غزة.. من بين الركام زرعوا الحياة

غزة - خاص الرسالة نت

في ظلّ العدوان المستمر والحصار المتواصل على قطاع غزة، يبرز المهندس الزراعي كأحد أبطال الصمود الذين واجهوا بأساليبهم العلمية حرب التجويع التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي.
وفي يوم "المهندس الزراعي العربي"، الذي يصادف التاسع من سبتمبر، كان المهندس الغزّي استثنائيًا بمحاولاته الحثيثة لمحاربة الدمار والجوع، وخوض معركة البقاء؛ فلم تتوقف جهوده، بل زادت، لإدراكه أن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على اللقمة، على البذرة، على كل خضرة تُزرع في تربةٍ متشققة، وتُسقى بقطرات شحيحة.


زراعة تحت النار

في يوم المهندس الزراعي العربي، قدّم مهندسو غزة 50 شهيدًا ارتقوا في الميدان، لينجحوا في تحويل الزراعة من مهنة إلى مقاومة، ومن حِرفة إلى حياة.

يقول المهندس الزراعي محمد عودة، المتحدث باسم وزارة الزراعة، إن المهندس الزراعي كان له دور كبير خلال العدوان على قطاع غزة، وكانوا كتفًا بكتف إلى جانب المزارعين في الميدان للحفاظ على الأرض والهوية.

ويوضح أن طواقم المهندسين الزراعيين لجأوا منذ بداية العدوان إلى استثمار أي مساحة فارغة للزراعة، في ظل إحكام الاحتلال على المعابر، والتضييق على المواطنين، ومنع الغذاء عنهم.

وذكر عودة، الذي صمد في شمال قطاع غزة طوال فترة العدوان، أن المهندسين الزراعيين كان لهم دور بارز في شمال القطاع للحفاظ على وجود الخضروات، وتوجيه المواطنين لاستغلال أي مساحة فارغة للزراعة، سواء على أسطح المنازل، أو بجوارها، أو في الشوارع، مبينًا أنهم ساهموا في إنتاج الأشتال وتوفيرها للمواطنين.

ورغم شُحّ الموارد، لجأ مهندسو الزراعة إلى الابتكار، وكان المهندس يوسف أبو ربيع من أوائل المبتكرين، حيث اشتهر في فترة التجويع في شمال غزة بمحاولاته المستمرة للزراعة رغم كل الظروف الصعبة، وشحّ المياه والأدوات. واصل عمله في مبادرته "هنزرعها"، مشجعًا الناس على الزراعة في كل مكان: الأسطح، الأراضي، الشرفات، وحتى المنازل المهدّمة، معلنًا أنه سيساعد في استنبات البذور، ومنح الفسائل، وتعليم الناس مجانًا كيف يمكنهم غرس المزيد من النباتات ورعايتها، وهي المبادرة التي استمرت لأشهر قبل أن يُعلن نبأ استشهاده.


رسالة حياة

وينظر المهندس الزراعي عودة إلى الزراعة في زمن الحرب كـ"رسالة حياة"، ويقول إن مبادرات شبابية أو شخصية غالبًا ما تقف وراء عمليات استصلاح الأراضي الزراعية، بإرشاد من مهندسين زراعيين، وبدعم من مؤسسات تُعيد عجلة الإنتاج الزراعي.

وأشار إلى أن أي مساحة ينسحب منها الاحتلال تتوجّه إليها المؤسسات لإعادة استصلاحها، لتثبيت المواطنين في أراضيهم، ومحاولة تحقيق الاكتفاء الذاتي لبعض الأسر للحد من المجاعة، لأن الزراعة أينما وُجدت وُجد الناس حولها.

ورغم أن غزة تعاني من واحدة من أسوأ أزمات المياه في العالم، عدا عن فقدان البذور والأسمدة التي يمنع الاحتلال إدخالها منذ قرابة عامين، إلا أن المهندسين الزراعيين لم يستسلموا، بل لجؤوا إلى تقنيات بديلة، وفقًا لعودة.

وبيّن أنهم عملوا على استخراج البذور من النباتات الكبيرة في العمر بعد تركها في الأرض، كما تغلّبوا على شحّ الأسمدة باستخدام الأسمدة العضوية والخميرة، موضحًا أنهم استخدموا بعض المركبات والمنتجات المحلية كبدائل عن المبيدات.

ولفت إلى أن هذه الأفكار تُعمَّم على الأسر والمزارعين الذين نجحوا، بمساعدة المهندسين، في زراعة 20 ألف دونم، مشيرًا إلى أن اقتطاع الاحتلال لأجزاء كبيرة من القطاع يقف حائلًا دون زيادة تلك المساحة، عدا عن التهجير المستمر الذي يجعل الناس مضطرين لاستخدام الكثير من المساحات كمخيمات للنزوح.

وقد وفّر المهندسون الإرشاد الزراعي عبر الزيارات الميدانية، وورشات العمل، والدروس الإلكترونية، والمبادرات الميدانية، بل وحتى عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لتعليم الأسر كيفية الزراعة المنزلية بأبسط الأدوات، وبأقل كمية من المياه.

ويكشف تقييم جديد أجرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) ومركز الأمم المتحدة المعني بالسواتل (UNOSAT)، من خلال الصور الساتلية، عن واقع صادم يؤكد أن 98.5% من الأراضي الزراعية في قطاع غزة إما متضررة أو يتعذر الوصول إليها، أو كلا الحالتين.

وأوضح التقييم أن 1.5% فقط من الأراضي الزراعية في غزة – أي ما يعادل 232 هكتارًا – صالحة للزراعة حاليًا، بانخفاض عن 4.6% (688 هكتارًا) في أبريل/نيسان 2025، في منطقة يزيد عدد سكانها عن مليوني نسمة.

وقبل الحرب، شكّل قطاع الزراعة في غزة أهمية كبيرة لسكانه على عدة مستويات، من بينها تحقيق الأمن الغذائي، وتوفير فرص العمل، ودعم الاقتصاد المُنهك أصلًا.

في يوم المهندس الزراعي العربي، المهندس الزراعي الغزّي يزرع على أمل أن تأكل الأجيال القادمة من شجرةٍ لم تقتلها القذائف، بل رواها صبرٌ وإيمانُ إنسانٍ لم يرضَ بالهزيمة.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير