عباس يبرّر قطع رواتب الشهداء والأسرى والجرحى تحت عنوان “الإصلاح الشامل”

عباس يبرّر قطع رواتب الشهداء والأسرى والجرحى تحت عنوان “الإصلاح الشامل”
عباس يبرّر قطع رواتب الشهداء والأسرى والجرحى تحت عنوان “الإصلاح الشامل”

الرسالة نت- متابعة

أثار البيان الصادر عن رئيس السلطة محمود عباس موجة واسعة من الغضب والانتقادات في الأوساط الشعبية والفصائلية والحقوقية، بعدما اعتبره كثيرون دفاعًا صريحًا ومباشرًا عن جريمة وطنية وأخلاقية تمثلت في قطع رواتب الشهداء والأسرى والجرحى، وهي الفئات التي شكّلت تاريخيًا جوهر الحركة الوطنية الفلسطينية ورمزًا لتضحياتها المستمرة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

ورغم محاولة البيان إضفاء طابع وطني جامع، مستخدمًا عبارات من قبيل “المرحلة الدقيقة” و“المصلحة الوطنية العليا” و“الوفاء لتضحيات الشهداء”، إلا أن مضمونه الفعلي، وفق مراقبين، جاء تبريريًا للقرار بقانون رقم (4) لسنة 2025، الذي أعاد هيكلة منظومة المخصصات الاجتماعية بطريقة أفضت عمليًا إلى سحب الصفة النضالية عن الشهداء والأسرى، وتحويل حقوقهم المكتسبة إلى “مساعدات اجتماعية مشروطة”.

اللافت في البيان هو التناقض الصارخ بين اللغة المستخدمة والنتائج المترتبة على القرار. ففي الوقت الذي يؤكد فيه عباس أن “الوفاء لتضحيات الشهداء والأسرى التزام وطني وأخلاقي راسخ”، يتجاهل البيان حقيقة أن القرار بقانون ألغى عمليًا الأساس السياسي والقانوني لهذه الرواتب، وربطها بمعايير اجتماعية ومالية، بدل كونها حقوقًا نضالية غير قابلة للمساس.

ويرى محللون أن هذا الخطاب لا يعدو كونه محاولة لاحتواء الغضب الشعبي، دون التراجع عن جوهر القرار، بل مع الإصرار على تنفيذه تحت غطاء “الإصلاح” و“الحوكمة” و“الشفافية”.

ويعتمد البيان بشكل أساسي على تبرير القرار من زاوية “الصلاحيات الدستورية”، حيث يؤكد عباس أن إصدار القرارات بقانون يتم “حصريًا ضمن صلاحيات الرئيس”. 

غير أن هذا التبرير، بحسب قانونيين، يفتح الباب أمام إشكالية خطيرة تتعلق باستخدام حالة تعطّل المجلس التشريعي لتمرير قرارات مصيرية دون توافق وطني أو رقابة تشريعية، خاصة عندما تمسّ قضايا إجماع وطني مثل الأسرى والشهداء.

ويحذر مختصون من أن تحويل قضية الأسرى إلى ملف إداري أو مالي، يخضع للتقييم والمعايير، ينسجم بصورة مقلقة مع الرؤية الإسرائيلية والدولية التي تسعى إلى تجريم المقاومة وتجفيف مصادر دعمها المعنوي والمادي.

ويحاول البيان نفي المسؤولية السياسية عبر التأكيد أن مؤسسة “تمكين” جهة تنفيذية لا تمتلك صلاحيات تشريعية. 

غير أن هذا الطرح، وفق مراقبين، لا يغيّر من حقيقة أن القرار سياسي بامتياز، صدر بإرادة رئاسية، ويُنفذ عبر مؤسسات حكومية، ما يجعل تحميل الغضب الشعبي لـ“جهة تنفيذية” مجرد إعادة توجيه للأنظار بعيدًا عن صاحب القرار.

ويشير البيان بوضوح إلى “الالتزامات الوطنية والدولية”، وهي عبارة لطالما استخدمت لتبرير قرارات مثيرة للجدل. 

ويرى معارضو القرار أن هذه الإشارة تعكس استجابة مباشرة للضغوط الأمريكية والإسرائيلية، التي طالبت مرارًا بوقف مخصصات الأسرى والشهداء، واعتبرتها “تحريضًا على العنف”.

وبذلك، فإن القرار بقانون، كما البيان، يُنظر إليهما كجزء من سياسة مواءمة مالية وأمنية مع شروط المانحين، جاءت على حساب العدالة الاجتماعية والكرامة الوطنية.

ورغم دعوة البيان إلى “خطاب عقلاني جامع” و“الاحتكام للقانون”، إلا أنه لم يُجب عن السؤال الجوهري:كيف يمكن الحديث عن الوفاء للشهداء، في الوقت الذي تُسحب فيه رواتب عائلاتهم، ويُعاملون كحالات اجتماعية لا كرموز نضالية؟

كما تجاهل البيان كليًا حالة الفقر والضغط المعيشي الذي تعانيه آلاف العائلات المتضررة من القرار، مكتفيًا بخطاب إنشائي عن “الاستدامة” و“العدالة”.

في المحصلة، لا يمكن قراءة بيان محمود عباس بمعزل عن القرار بقانون الذي سبقه. فالبيان، رغم لغته الهادئة، يشكّل دفاعًا سياسيًا وقانونيًا واضحًا عن قرار قطع رواتب الشهداء والأسرى والجرحى، ويعكس توجهًا رسميًا لإعادة تعريف هذه القضية الوطنية الحساسة بما ينسجم مع الضغوط الدولية، لا مع الإرث النضالي الفلسطيني.

وهو ما يجعل البيان، في نظر قطاع واسع من الفلسطينيين، بيان تبرير لا بيان وفاء، ويفتح الباب أمام أزمة ثقة متفاقمة بين الشارع الفلسطيني والقيادة الرسمية.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير