عاش الطفل محمد معمر سنواته الأولى بين أصوات الانفجارات وأضواء الطائرات الحربية في سماء المدينة. في أحد الأيام المظلمة خلال حرب الإبادة، تعرض محمد لإصابة مباشرة بشظية في رأسه، فقد على إثرها بصره بالكامل وأصبحت قدرته على المشي محدودة للغاية.
عائلته كانت شاهدة على معاناته اليومية، يرون كيف يحاول الطفل الصغير التأقلم مع فقدان حواسه، وكيف يكافح لتعلم الحركة دون أي دعم طبي متخصص. غزة، التي دمرت بنيتها التحتية الصحية بفعل الحصار والعدوان المتكرر، لم تملك الإمكانات لعلاج محمد، وكانت كل يوم يمر بمثابة معركة جديدة مع الألم والإعاقة.
الأمل ظهر عندما تم إدراج محمد ضمن برنامج الممر الطبي الأردني، الذي أطلقه الملك عبد الله الثاني لتقديم العلاج المتخصص للأطفال الفلسطينيين الذين لا يستطيعون تلقي الرعاية اللازمة داخل غزة.
كان ذلك بمثابة فرصة نادرة لإنقاذ حياة الطفل، إذ تنقل إلى الأردن، حيث كانت تنتظره فريق طبي متخصص في مستشفى الخالدي في عمّان.
هناك، خضع محمد لسلسلة عمليات جراحية دقيقة ومعقدة لإزالة الشظية من رأسه، وإصلاح الأضرار التي لحقت بدماغه وعينيه. الأيام الأولى بعد العمليات كانت صعبة، فقد كان الألم شديداً، والخوف يلازمه في كل لحظة. .
بدأ محمد تدريجياً يستعيد بصره، حتى استطاع بعد عدة أسابيع أن يرى من جديد وجوه أحبائه، والألوان، والأشياء البسيطة التي كان يظن أنه فقدها للأبد.
رحلة محمد لم تنته عند استعادة البصر فقط؛ فقد خضع لجلسات العلاج الطبيعي لإعادة الحركة إلى ساقيه وذراعيه، إذ كانت إصاباته الجسدية عميقة ومؤلمة.
ومع كل يوم، كان الأمل يعود إلى قلبه وعينيه، إلى حياته التي كادت أن تنطفئ في غزة.
قصة محمد تبرز مأساة آلاف الأطفال في غزة الذين يحتاجون إلى علاج خارج القطاع.
ووفق تقارير منظمة الصحة العالمية، هناك أكثر من 25,000 مريض يحتاجون إلى تحويلة علاجية عاجلة خارج غزة، بينهم عدد كبير من الأطفال المصابين بإعاقات جسدية أو أمراض خطيرة مثل السرطان، أو أولئك الذين فقدوا القدرة على الحركة أو الرؤية بسبب القصف.
ومع الحصار الإسرائيلي المحكم على قطاع غزة، تظل فرص سفر هؤلاء الأطفال محدودة، ويعيش الكثيرون في انتظار علاج قد يكون الفارق بين الحياة والموت.