أبو عبيدة… وترجل صوت غزة الذي صدح على مدار عشرين عامًا

الرسالة نت - خاص


في صباحات الحروب الموحشة على غزة، وحين كانت تتلاشى الوجوه خلف السواد والدخان، ظل هناك صوت لا يُنسى. صوتٌ نبض في أذني الملايين، وارتبط بالأحداث الكبرى، وأصبح مرآةً لما يعيشه شعبٌ في حلقات متصلة من الألم والمواجهة.

ذلك الصوت كان حذيفة سمير عبد الله الكحلوت المعروف باسم “أبو عبيدة”، متحدث كتائب عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس، والذي أعلنت الكتائب اليوم عن استشهاده رفقة قادة آخرين بعد سنوات من الظهور من قلب الوجع.

اسمه حذيفة الكحلوت، المولود في 11 فبراير 1985 في مدينة غزة، بدأ صوته يصدح وهو ابن عشرين؛ شاب ترعرع في ظل احتلالٍ طويل وقتل بلا هوادة. 

منذ ظهوره الأول في الإعلام القسّامي في أوائل الألفية، وتحديدًا خلال انتفاضة الأقصى، حمل على عاتقه مهمة التواصل، فكان صوت المقاومة حين غابت الأصوات الأخرى.

في عام 2007 عُيِّن رسميًا متحدثًا باسم كتائب القسام، وقد ظل في هذا الدور حتى 2025، أكثر من 18 عامًا في واجهة الخطاب الإعلامي للمقاومة، مما جعله أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بصوت غزة في الحروب المتعاقبة.
 كان أبو عبيدة يُطلّ في تسجيلات مرئية أو رسالة مكتوبة حين يكون الكلام بوصلته. وتقلد عن جدارة وحق واجهة الإعلام والموقف، يخاطب الفلسطينيين والعالم ببلاغةٍ تصف رؤيته للظلم الواقع على شعبه.
وفي اللحظات الحرجة، كانت كلماتُه تُقرأ كما تُقرأ وثيقة صمود:

“المقاومة ستستمر حتى زوال الاحتلال وهزيمته.”
“العدو عالق في رمال غزة، بلا هدف ولا أفق.”
“ما لم يستطع العدو تحقيقه بالحرب، لن يحققه بالتهديد والمناورات.”

ولكن العبارة الأقوى، والتي ظلت جرحًا يطعن في القلب: "أنتم خصومنا أمام الله." لتعلق بها غزة على أكتاف كل عربي كان بإمكانه أن يفعل شيئًا لإنهاء هذه الأشهر الطويلة من الإبادة ولكنه لم يفعل!

عبارات كثيرة للشهيد أبو عبيدة صدحت بها قناة الأقصى والمصادر الرسمية للقسام، لتكون صدىً للمقاومة في الذاكرة الجماعية. 

صوته لم يكن يخلو من التحدّي والبطولة والثبات؛ ففي أوج الحرب التي بدأت بعد 7 أكتوبر 2023، ظهرت خطاباته على المنصات وتصدرت عناوين الروايات الإعلامية، يكرر رسالة الثبات ويبرّر ما يجري في غزة بقوةٍ شديدة. ثم نجح في تخليد صورته بين أقوام لا زالت لا تعرف اسمه وشكله الحقيقي، لكنهم أحبوه ونصروه لأنه صوت لا يقبل الشك ولا يختلف عليه أحد.

و اليوم، نزّف القسام خبر استشهاده وكأنه جرح أخضر سيظل ينزف للأبد، ما قلب صفحات الذاكرة إلى صفحة وداعٍ ثقيل.

على مدار الحرب الطويلة، خاض أبو عبيدة معاركه الإعلامية كما خاضت الفصائل معاركها على الأرض؛ من خلال بيانات تُقرأ في لحظات الصمت بين الانفجارات، ومن خلال كلماتٍ تُذّكر أن غزة لا تُسكت بسهولة.
كان رمزًا لمنصة تُحوِّل الكلام إلى معركة، والمعركة إلى أملٍ في النصر حتى لو بدا بعيدًا.

اليوم، يقف الجميع موقف تأملٍ، وقبل أن تنطوي الصفحة، سيبقى كل فلسطيني في كل مكان على هذه الأرض يردد جملة قالها أبو عبيدة: "نحن غزة بسمائها وهوائها وبحرها ورمالها"، ليعود إليها التاريخ كلما أراد أن يسمع صوت غزة.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير