سياسة واحدة بساحتين: القتل في غزة ومصادرة الأرض في الضفة

خاص- الرسالة نت

بينما ظلّ المشهد الدموي في قطاع غزة يحتل واجهة الاهتمام الدولي، كانت عملية أخرى تمضي بالتوازي، أقل صخبًا وأكثر رسوخًا في نتائجها.

في الضفة الغربية وشرقي القدس، عملت إسرائيل على إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية بهدوء محسوب، مستفيدة من انشغال العالم بالحرب المفتوحة على غزة، ومستخدمة أدوات الاستيطان والهدم والعزل المكاني لفرض وقائع يصعب تفكيكها لاحقًا.

 لم تتوقف الحرب في قطاع غزة رغم التوصل إلى اتفاقين لوقف إطلاق النار خلال عام 2025. الاتفاق الأول دخل حيّز التنفيذ في التاسع عشر من يناير/كانون الثاني قبل أن ينهار مع استئناف العمليات العسكرية في الثامن عشر من مارس/آذار، فيما جاء الاتفاق الثاني في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول هشًا، سرعان ما بدأت الخروقات الإسرائيلية تنخره. 

واصل الاحتلال فرض سيطرة عسكرية مباشرة على نحو 60% من مساحة القطاع البالغة 360 كيلومترًا مربعًا، عبر انتشار مكثف ومناطق عازلة فصلت الشرق والشمال عن الغرب المكتظ بالنازحين.

وبرز ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» كأحد أخطر ملامح هذه السيطرة، إذ تحوّل إلى حدّ نار غير معلن، يُمنع الاقتراب منه عمليًا تحت تهديد القنص والقتل، ما جعل محاولات العودة إلى المنازل أو تفقد الأراضي المدمّرة مغامرة قد تنتهي بالموت. ووفق إحصاءات رسمية، استشهد أكثر من 418 فلسطيني وأُصيب ما يزيد على 1100 آخرين منذ بدء وقف إطلاق النار الأخير، إلى جانب استمرار نسف المنازل والمنشآت في مناطق متفرقة من القطاع.

في الوقت نفسه، كانت الضفة الغربية تشهد تسارعًا غير مسبوق في مشاريع السيطرة على الأرض. تقرير رسمي لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان كشف عن دراسة 355 مخططًا هيكليًا استيطانيًا في الضفة الغربية بما فيها القدس خلال عامي الحرب، بالتوازي مع هدم 3679 منشأة فلسطينية. ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، نُفذ أكثر من 38 ألف اعتداء من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين، استهدفت الأرض والممتلكات والسكان، في تصعيد واسع النطاق.

وشملت هذه المخططات بناء أكثر من 37 ألف وحدة استيطانية على مساحة تجاوزت 38 ألف دونم، صودق فعليًا على ما يقارب 18 ألفًا و800 وحدة منها، فيما أُودع أكثر من 18 ألف مخطط إضافي قيد الانتظار. وتصدرت القدس المحتلة قائمة المحافظات المستهدفة، في إطار سياسة تهدف إلى تكريس تغيير ديمغرافي وجغرافي طويل الأمد، يعزز السيطرة الإسرائيلية على المدينة ومحيطها.

إلى جانب ذلك، اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارات بتسوية أوضاع 11 بؤرة استيطانية، أُلحقت بعشرات البؤر الزراعية التي مُنحت بنى تحتية كاملة، ما حوّلها فعليًا إلى مستوطنات قائمة. كما أُقيمت 114 بؤرة استيطانية جديدة، في رقم قياسي ترافق مع تصاعد غير مسبوق في عدد الحواجز العسكرية، التي بلغ مجموعها 916 حاجزًا وعائقًا، من بينها أكثر من 240 بوابة حديدية نُصبت بعد اندلاع الحرب على غزة، لتقطيع أوصال الضفة الغربية وتشديد الخناق على حركة الفلسطينيين.

عززت الأمم المتحدة هذه الصورة القاتمة، إذ أكد أمينها العام أنطونيو غوتيريش أن وتيرة التوسع الاستيطاني في عام 2025 بلغت أعلى مستوياتها منذ بدء الرصد المنهجي عام 2017، مع الموافقة أو التخطيط أو طرح مناقصات لنحو 47 ألفًا و390 وحدة استيطانية، مقارنة بنحو 26 ألف وحدة في عام 2024. وتشير التقديرات الأممية إلى وجود أكثر من نصف مليون مستوطن في الضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية، يعيشون إلى جانب نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في واقع يزداد اختلالًا.

على مستوى الأرض، تكشف الأرقام عن تصاعد عمليات الهدم وعنف المستوطنين، إذ طال الهدم 3679 منشأة، بينها أكثر من 1200 منزل مأهول، إضافة إلى مئات المنشآت الزراعية. وتركزت عمليات الهدم في القدس والخليل وطولكرم، فيما استولى الاحتلال على نحو 55 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية، وأقام 25 منطقة عازلة جديدة. كما أشعل المستوطنون 767 حريقًا أتلفت عشرات آلاف الأشجار، معظمها من أشجار الزيتون، في ضرب مباشر لمصادر الرزق الفلسطينية.

ويرى رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان مؤيد شعبان أن أخطر ما يجري يتمثل في خلق بيئة قسرية طاردة، دفعت إلى تهجير 33 تجمعًا بدويًا يضم 455 عائلة، أي ما يقارب 2853 فردًا، في إطار سياسة عقاب جماعي واضحة. وقد أسفرت اعتداءات المستوطنين، بحسب معطيات رسمية، عن استشهاد أكثر من 30 فلسطينيًا في الضفة الغربية خلال فترة الحرب، بينهم 12 منذ مطلع عام 2025.

وتتجلى نتائج هذه السياسات في القرى والتجمعات الفلسطينية التي تُحاصر تدريجيًا بالمستوطنات والطرق الالتفافية. قرية المغير شمالي القدس مثال حي على ذلك، إذ تقلصت مساحتها الفعلية وعُزل سكانها عن أراضيهم، فيما اضطر سكان تجمعات بدوية في شرق المعرجات إلى مغادرة خيامهم بعد هجمات عنيفة نفذها مستوطنون بحماية جنود الاحتلال، تاركين وراءهم حياة معلّقة على هامش المكان.

هكذا يمضي عام 2025 مثقلًا بالخسائر: غزة تنزف تحت القصف والحصار، والضفة الغربية تُستنزف تحت الجرافات والمخططات. وبينما تتقدم سياسة الاحتلال بثبات، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام واقع يتقلص فيه الحيز الجغرافي، وتتآكل فيه الأرض يومًا بعد يوم، في مسار تبدو ملامحه أشد قسوة وصعوبة على المدى البعيد

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير