لم يحمل محمد بكر بندقية، ولا اقترب من جبهة قتال. حمل شباكه، ودفع قاربه الصغير نحو البحر، كما فعل طوال حياته. كان يعرف أن الصيد في غزة لم يعد مهنة آمنة، لكنه كان يعرف أيضًا أن البحر آخر ما تبقى له ولأمثاله من الصيادين الذين خنقهم الحصار وأغلقت الحرب أبواب الرزق في وجوههم.
في صباح يوم 30 ديسمبر، أبحر محمد بكر قبالة سواحل غزة، في مساحة بحرية يعرفها جيدًا، ويعرف حدودها التي رسمها الاحتلال بالقوة. لم يتجاوزها، ولم يقترب من أي موقع عسكري، ومع ذلك، استهدفته مدفعية الاحتلال، ليسقط شهيدًا في عرض البحر، وتتحول رحلة البحث عن لقمة العيش إلى رحلة بلا عودة.
محمد بكر واحد من آلاف الصيادين الذين بقوا متمسكين بالبحر رغم كل شيء. وذلك لأن الصيد في غزة ضرورة قاسية ولا خيار لأصحابه غيره.
الحصار البحري، وإطلاق النار المتكرر، ومصادرة القوارب، والاعتقالات، كلها جعلت من البحر مساحة خوف دائمة. ومع ذلك، يخرج الصيادون كل صباح، مدفوعين بالجوع أكثر من الأمل.
بحسب روايات زملائه، كان محمد هادئًا، قليل الكلام، يعرفه البحر كما تعرفه عائلته. لم يكن يبحث عن مغامرة، بل عن سمك يسد به رمق أطفاله. لكن الاحتلال، الذي حوّل البر إلى ساحة قصف، والبحر إلى منطقة قتل، لم يفرّق يومًا بين صياد ومقاتل، ولا بين قارب خشبي ومدمرة حربية.
منذ بداية الحرب، قُتل مئات الصيادين الفلسطينيين، بعضهم برصاص بحرية الاحتلال، وآخرون بقصف مباشر أو خلال محاولتهم الاقتراب من شاطئ آمن. الصيد، الذي كان مصدر رزق لآلاف العائلات، أصبح اليوم مخاطرة يومية بالحياة، في ظل تدمير شبه كامل لهذا القطاع.
في جنازته حملته أمه وزوجته على أكتاغهن؛ وهن يرين الحزن يجبرهن على القوة في سلسلة موت لا تعطي البكاء حقه الكامل.
لم يودّعه البحر وحده. ودّعته غزة كلها. رجال حملوا الجثمان، ونساء بكين بصمت، وأطفال نظروا إلى القارب الخالي على الشاطئ، ليصبح البحر شاهدًا جديدًا على حرب لا تكتفي بالقصف، بل تطارد الفلسطيني حتى في بحثه عن الرزق.