في خطوة وُصفت بأنها الأخطر منذ عقود على مستقبل القدس والضفة الغربية، طرحت ما تُسمّى "سلطة الأراضي الإسرائيلية" عطاءً لبناء 3040 وحدة استيطانية في المنطقة المعروفة باسم (E1) شرق مدينة القدس المحتلة، في تحرّك يُعدّ الانتقال العملي من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي لمشروع استيطاني ظلّ مجمّدًا شكليًا لنحو ثلاثين عامًا، بفعل الضغوط الدولية.
ويرى حقوقيون ومختصون في شؤون الاستيطان أن هذه الخطوة لا تمثل توسعًا استيطانيًا عاديًا، بل تشكّل تحولًا استراتيجيًا خطيرًا يهدف إلى فرض وقائع دائمة على الأرض، من شأنها فصل القدس المحتلة بالكامل عن محيطها الفلسطيني، وتقويض أي إمكانية مستقبلية لقيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافيًا، إذ سيؤدي تنفيذ المشروع إلى فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها بشكل شبه كامل.
أخطر المشاريع الاستعمارية حول القدس
من جهتها، حذّرت منظمة "البيدر" الحقوقية من تداعيات المخطط، واصفة إياه بأنه أحد أخطر المشاريع الاستعمارية الإسرائيلية في محيط القدس المحتلة، ويستهدف بشكل مباشر الوجود الفلسطيني في المنطقة.
وقالت المنظمة، في بيان صدر اليوم الأربعاء، إن مخطط (E1) يشكّل حلقة مركزية في مشروع السيطرة الإسرائيلية على القدس الكبرى، عبر ربط الكتل الاستيطانية بعضها ببعض، ولا سيما مستوطنة "معاليه أدوميم" بالقدس الغربية، بما يعزز الطوق الاستيطاني حول المدينة ويمنع أي امتداد عمراني فلسطيني مستقبلي.
وأضافت "البيدر" أن تنفيذ المشروع سيؤدي إلى تحول ديموغرافي قسري، في انتهاك صارخ لأحكام القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف، محذّرة من أن آلاف الفلسطينيين، لا سيما من التجمعات البدوية التي تعتمد على الرعي والزراعة، مهددون بالتهجير القسري من أراضيهم التي عاشوا فيها لعقود طويلة.
وأكدت المنظمة أن المخطط يمتد على مساحة واسعة بين القدس ومستوطنة "معاليه أدوميم"، ويهدد بشكل مباشر 46 تجمعًا بدويًا فلسطينيًا، ما يعني تفكيك النسيج الاجتماعي الفلسطيني في المنطقة، وفرض واقع جغرافي جديد يخدم المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.
تهجير قسري وتفكيك للتجمعات البدوية
بدوره، حذّر رئيس مجلس قروي "عرب الجهالين"، داود الجهالين، من العواقب الكارثية لبدء تنفيذ مخطط (E1)، معتبرًا أن المشروع لا يستهدف الأرض فحسب، بل يستهدف الإنسان الفلسطيني وحقه في البقاء.
وقال الجهالين في تصريحات صحفية إن تنفيذ المشروع سيؤدي إلى تهجير أكثر من 21 تجمعًا بدويًا في بادية القدس، تضم ما يزيد عن 7 آلاف فلسطيني، مشيرًا إلى أن هذه التجمعات تواجه أصلًا أوضاعًا إنسانية قاسية نتيجة سياسات التضييق الإسرائيلية المستمرة.
وأوضح أن المخطط يشمل هدم عشرات المنشآت السكنية، ويمتد ليصل إلى أطراف بلدة العيزرية شرق القدس، ضمن مسعى واضح لعزل البلدات الفلسطينية عن المدينة المحتلة، ومصادرة آلاف الدونمات من أراضيها.
وتطرّق الجهالين إلى ما يُسمّى شارع "نسيج الحياة"، الذي تخطط سلطات الاحتلال لإنشائه كجزء من المشروع، قائلًا إنه ليس سوى "نسيج للموت" بالنسبة للفلسطينيين، إذ يُستخدم كأداة لفصل القرى والبلدات الفلسطينية عن القدس، وتقطيع أوصالها الجغرافية والاجتماعية.
وأكد أن المخطط سيؤدي إلى مصادرة أكثر من 10 آلاف دونم من أراضي العيزرية، إضافة إلى فصل بلدات وأحياء مقدسية كاملة عن محيطها، من بينها الزعيم وحزما، في خطوة تُعمّق سياسة العزل وتُحكم السيطرة الإسرائيلية على المدينة.
ما هو مخطط (E1)؟
ويقع مخطط (E1) في المنطقة الواقعة بين مستوطنتي "معاليه أدوميم" و"بسغات زئيف"، ضمن المناطق المصنفة (ج) الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، ويمتد على مساحة تُقدّر بنحو 12 كيلومترًا مربعًا.
ويشمل المخطط أراضي تابعة لبلدات فلسطينية عدة، من بينها عناتا، العيساوية، الزعيم، العيزرية، وأبو ديس، ويهدف إلى خلق تواصل استيطاني متصل يقطع العمق الجغرافي الفلسطيني في الضفة الغربية.
ويرى مراقبون أن المضي قدمًا في تنفيذ مخطط (E1) يُعدّ إعلانًا عمليًا عن دفن حل الدولتين، وفرض وقائع استيطانية دائمة على الأرض، في وقت تتصاعد فيه الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، وسط صمت دولي وعجز عن ترجمة المواقف الرافضة للاستيطان إلى إجراءات رادعة.